الإطار الفكري

د. عبدالقوي القدسي

لم يكن الإنسان يوماً ملاكاً ، كما أنه بالطبع ليس شيطاناً رجيماً، إنه بتعبير “ديل كارنيجي” نسيج وحده.

البشر ليسو نسخة واحدة، فكل إنسان عالم مستقل بحد ذاته، وما يجمع بين الناس هو مجموعة المصالح الضرورية للعيش المشترك، وبذلك تكوَّنت المجتمعات الإنسانية، وظهرت القبيلة، والشعوب وبُنيت العلاقات بين الأمم.

جاء في معجم اللغة العربية المعاصر بأن الإطار الفكري هو ما ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون إجمالاً، وتفصيلاً.
ويرى عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي في كتابه “مهزلة العقل” بأن لكل إنسان إطار فكري لا شعوري يحيط به، وبأن هناك ثلاثة قيود توجه تصرفاته وسلوكه، وهي :
١-القيود النفسية
٢-القيود الاجتماعية
٣-القيود الحضارية

الإنسان يحب الفتاة الجميلة، ويحب المنزلة الاجتماعية، ولكنه لا يحب الحقيقة إلا بمقدار ما تساعده في نوال شيء من هذه الأهداف اللذيذة المرغوبة، وقد قيل في مَثَلٍ غربي: “غَيِّر معيشة الإنسان يتغير بذلك تفكيره” .

يقول اليهود ” لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ” ويقول النصارى : “ليست اليَهودُ على شيء ” ولم يكن هذا -فقط- شأن اليهود والنصارى : “كذلك قال الذين لا يعلمونَ مثلَ قولِهم”[البقرة: ١١٣] . إنها قيود الإطار الفكري!!

لكل إنسان إطاره الفكري، لكنه ليس قدراً لازماً يستحيل تغييره أو تعديله، ولعل الكثير منا يربط بين أفكاره في الماضي، وأفكاره اليوم فيجد فارقاً ملحوظاً.

في كتابه”جزيرة العرب في القرن العشرين” يذكر حافظ وهبة أن مجموعة من علماء نَجْد اعتبروا أن التلغراف اللاسلكي له ارتباط بالجن، معتقدين بأنه لا يعمل إلا عندما تُذبح عنده ذبيحة، ويُذكر عليها اسم الشيطان!! وبالتالي فقد حكموا بحرمة استخدامه.

يذكر “وِلْيم هيل” أن أديسون حينما عرض مخترعه (الفونوغراف) لأول مرة في أكاديمية العلوم بباريس أعلن العلماء الحاضرون جميعاً أن ما يرونه يستحيل أن يكون حقيقة، حيث لا يمكن في زعمهم أن يُسجل صوت الإنسان على اسطوانة من المعدن، واتهموا أديسون حينذاك بأنه يخفي تحت المنضدة رجلاً ينطق من حنجرته ليخدع الحاضرين، ويُذكر بأن أديسون أصبح بسبب مخترعه ذاك يُعرف باسم”ساحر مينلو بارك”. إنه الإطار الفكري!!

كنت أتحدث عن الإطار الفكري، ودوره في توسيع الفجوة، وإلهاب الصراع بين الأمم، فقال لي أحد الأصدقاء: لا تذهب بعيداً، فنحن نعيش مأساة التأطير الفكري فيما بيننا، كل فئة تتمترس خلف أطرها الفكرية، وقادة الفكر المؤطر يَحُولون بين الناس، وبين الفكر الناقد والمنفتح على الآخر، وأرْدف قائلاً: ألا ترى كم نحن متخلفون عن أمم الأرض في كل شيء؟!!! وكيف أن الله تعالى كلما أطفأ ناراً للحرب، أوقدها المتعصبون من جديد ؟!!!!!!

أثبتت الأيام عدم كفاءة قيود الأطر الفكرية على الصمود أمام حركة الحياة الدائبة، كما أثبتت أن تلك القيود ليست سوى لعنة على أصحابها، فمهما حاول الغلاة المتعصبون مغالبة تيار الحياة الجارف، إلا أنهم يخسرون في النهاية، ويستسلمون للواقع، وما كانوا يعتبرونه -يوماً- سحراً أصبحوا – لاحقاً- ينظرون إليه على أنه حقائق واقعة، فهل لا يزال الرسم والتصوير حرام لدى علماء نجد الذين تملأ صورهم وسائل الإعلام اليوم؟!!!! وهل كان أديسون- بالفعل- ساحراً ؟!!!

فلانٌ من القادة زعيمٌ ملهم في نظر أتباعه، وهو في نظر معارضيه مجرمُ حَرب ، والحزب الفلاني هو المنقذ في نظر بعض الجماهير، ولكنه في نظر آخرين يُعد سبب البلاء والشقاء، والمسألة الفقهية المعروضة حلالٌ في نظر بعض المشايخ، وهي الحرام بعينه في نظر آخرين، وما نعتبره سُنة يراه آخرون بدعة، وما تراه طائفة ثورة شعبية، تراه طائفة أخرى انقلاباً وخروجاً على الشرعية، وهكذا في كل جزئية من جزئيات الحياة!! إن ذلك كله نتيجة طبيعية لاختلاف الأطر الفكرية.

عوداً على ذي بدء، فبما أن الإنسان ليس ملاكاً، ولا شيطاناً، وما دام كل إنسان نسيج وحده، وله إطاره الفكري الخاص به، فلا بد إذاً أن نؤمن بطبيعة الخلاف، وبأنه مظهر إنساني، وضرورة بشرية اقتضتها سنة الاستخلاف في الأرض.

إن وظيفة الأنبياء والمفكرين، والمصلحين هو التخفيف من غلواء الصفات السلبية المتأصلة في الإنسان، والمتعدية بضررها على الغير ، وتحقيق السلام بين الناس، والحيلولة دون الصراعات التي تنشأ عن اختلاف الأطر الفكرية، وما أُرْسل المرسلون، ولا سُنتِ القوانين، ووضعت الدساتير، وأُنشئت المحاكم إلا لتحقيق ذلك.

ننادي بأن يصبح “التفكير الناقد” ثقافة مجتمعية، وأن يُضمّن في مناهجنا التعليمية، وأن تتبناه وسائلنا الإعلامية، لا لشيء إلا لإيماننا بأنه سبيلٌ لترسيخ الكثير من قواعد السلم الاجتماعي، وقبول الاختلاف الفطري، ومعالجة جوانب الخلل التي تُكرس حالة الصراع، وتطيل في أمد الشقاق.

عن الشميري

شاهد أيضاً

المغالطات المنطقية

د. عبدالقوي القدسي نتلّقى يومياً رسائل هائلة بإرادتنا أو بغير إرادة منا، عبر وسائل الاتصالات، …

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: