الرئيسية / مقالات / المعرفة المعزولة

المعرفة المعزولة

✍ د. عبدالقوي القدسي
الأحد (١٠)نوفمبر٢٠١٩

تفاصيل تخصصية تساوي معرفة معزولة في نظر الأب الروحي للتعليم الفلندي “باسي سالبرغ” والمعرفة المعزولة -حسب وصفه- هي إحدى جراثيم التعليم التي عمل على مكافحتها، والتخلص منها حتى غَدَت فنلندا مضرب المثل في التعليم، ومهوى أفئدة التربويين، والباحثين .

كما أن عزل الشخص من منصبه يعني تنحيتُه وإبعاده عن الخدمة، فكذلك الحال في “المعرفة المعزولة” فالبلدان التي حافظت على جمود انظمتها التعليمية، وقدّسَت المعرفة النظرية، والأساليب البدائية تكون قد عزلت المعرفة وأفقدتها تأثيرها.
لم يعد مقبولاً السكوت عن هذه العزلة؛ ناهيك، وعصرنا يشهد ثورة تكنولوجية تتجاوز بسرعتها كل الأنظمة المُعاقة أو التقليدية.

يجب على الطالب في بلادنا لكي ينتقل إلى المرحلة الجامعية أن يقضي ثلاث سنوات دراسية في المرحلة الثانوية، وعليه أن ينجح في إحدى عشرة مادة في أول ثانوي، وثمان مواد في ثاني ثانوي ومثلها في ثالث ثالث ثانوي، ولو طرحنا هذا السؤال :
كم نسبة الارتباط بين المواد الدراسية في المرحلة الثانوية، وبين ما يختاره التلاميذ من تخصصات في المرحلة الجامعية لكانت الإجاية محزنة، بل كارثية ومُحبطة؟!!

هناك قضية غاية في الأهمية، ولكننا – مع الأسف – نغفل عنها ، وهي أن هذا الزمان يختلف جذرياً عن سابقه، وأن متطلبات أبنائنا لكي يعيشوا زمانهم تختلف جذرياً عن متطلباتنا في السابق.

قالها، وقلبه يعتصر ألماً : لقد أضعت ثلاث سنوات من عمري ؟!! إنهم يعبثون بمستقبلنا، ويستهترون بأوقاتنا، سألته : ما الأمر ؟! قال : تجاوزت المرحلة الثانوية بصعوبة بالغة، وسجلت في الجامعة تخصص”تكنولوجيا معلومات” واضطررت للالتحاق بالجامعة لدراسة اللغة الإنجليزية لمدة سنة، واكتشفت أن ثلاث سنوات ضاعت من عمري دون فائدة، أخذ نفساً عميقاً، وأعقب ذلك بزفرات حارة، وقال : ليس لما ندرسه في الجامعة أي علاقة بما درسناه في الثانوية. فلماذا يجب علينا دراسة تلك المواد المعزولة عن الحياة ؟!!!

شخصياً، ناديتُ ولا أزال ، وسأظل أنادي بإلغاء هذا النظام التعليمي الرتيب الذي وَهن عظمه، واشتغل رأسه شيباً، يجب اعتماد نظام بديل يعتمد على التخصص، والتشعيب، ابتداء من الصف التاسع أو الأول الثانوي ، ولا بد من منهجية علمية تربط بين تخصصات المرحلة الثانوية، والجامعية .

يتعلم التلاميذ مادة ” اللغة العربية” على سبيل المثال، يتعلمون قواعد النحو وفنون الأدب، والنصوص والقراءة، وغيرها من أفرع اللغة، من المرحلة التمهيدية إلى نهاية المرحلة الثانوية، فما النتيجة ؟!! هل أصبح الطالب متمكناً من اللغة ، محافظاً على الحد الأدنى من مهاراتها، يُحسن القراءة والكتابة؟!
معلم اللغة العربية يشرح قواعد النحو باللهجة العامية، ويتحدث التلاميذ فيما بينهم بالعامية، وفي الشارع والبيت، وحتى في بعض مسلسلات الأطفال ليس للعربية -التي يتعلمها التلاميذ في المدرسة مكان – ألا تُعد هذه المعرفة معرفةً معزولة عن واقع الحياة، ولو حاول أحد التلاميذ ممارسة ما يتعلمه، والحديث في الشارع بالفصحى لأصبح محلاً للتندر، والضحك، والسخرية ؟!!!

المعرفة المعزولة تعزل أجيالنا عن واقعهم، وتجعلهم يعيشون زماناً غير زمانهم، والمعرفة المعزولة تعزل البلدان عن الركب بحضارة العالم ، والمعرفة المعزولة لا وظيفة لها سوى أنها تثقل كواهل أبنائنا، دون فائدة معتبرة، ولكم أن تتخيلوا دولة تدرب جيشها على فنون القتال بالسيوف، والرماح والنبال، راجلين وعلى الجياد، مع أساليب الكَرِّ والفرّ، ثم تزج بهم في معركة حديثة تُستخدم فيها الطائرات، والدبابات، وأنواع الأسلحة الفتّاكة والمدمّرات الحربية، وللقارئ الكريم أن يُمعن النظر في المثال ليربطه بالمعرفة المعزولة التي نلقنها أبناءنا في زمن التكنولوجيا، والحضارة ؟!!.

عن الشمروخ

شاهد أيضاً

التعلم بالمحاولة والخطأ Trial and Error Learning

✍ د. عبدالقوي القدسي الخميس ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ وضع ثورندايك(Edward Thorndike) قطة جائعة داخل صندوق …

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: