الوعظ وحده ليس كافياً

د. عبدالقوي القدسي

يُحكى في الأمثال: إن رجلاً أخذ ذئباً فجعل يعظه ويقول له:” إياك وأَخْذ أغنام الناس لئلا تُعاقَب” . والذئب يقول: ” خفّف يا أخي واختصِر فهناك قطيع من الغنم أخشى أن يفوتني” [وُعاظ السلاطين، الوردي].

لا نستطيع إنكار الدور الوعظي الإيجابي في الدعوة إلى قيم الخير، وحَثِّ الناس على تمثُّلها، والتحذير من الوقوع في الشرور والآثام.

هل ينجح الوعظ وحده في دفع الناس إلى التحلي بقيم الخير، والتخلي عن قيم الشر؟!!

“إن الله يزَع بالسلطان ما لا يزَع بالقرآن ” مقولة نُسبت لعثمان بن عفان رضي الله عنه[المدونة الكبرى للإمام مالك] والسؤال هنا: هل للسلطان أو الدولة تأثير يفوق تأثير القرآن ؟

كثرت حوادث السير في بلادنا، فكتب أحد الواعظين عن أهمية حفظ النفس، وساق الأدلة من القرآن والسنة، وقد أحسن في ذلك، ثم نقل فتوى تُحرم تجاوز السرعة، أيهما الأكثر نفعاً، إصدار فتوى أم فرض سلطة القانون والدولة؟!!

يظن البعض بأن الجماهير تتغير بالخطب العصماء أو القصائد الحماسية، ولا يدركون بأن تلك الجماهير سرعان ما يتخذون كل شيء وراءهم ظهرياً، ويتسابقون نحو مصالحهم الظاهرة، ثم يلعنون كل من وقف يوماً أمام تلك المصالح!!!!!

قَدِم دحية بن خليفة بتجارة من الشام، والنبيّ
(ﷺ) يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن يُسبقوا إليه، فنـزلت ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) [ تفسير الطبري]. إنها الطبيعة البشرية، ولو كان المتحدث هو شخص رسول الله (ﷺ) !!!

اعتقد الفارابي بأن الإمام العادل هو أساس صلاح الأمة، ودبّجَ في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” (١٢) خِصلة فِطرية للرئيس المثالي . هل كان الفارابي مخطئاً، أو مفرطاً في المثالية؟! أم إنه عاش زمان [دولة الفرد] ولم يعش زمان [ دولة المؤسسات]؟!! وكما قيل: لكل زمان دولة ورجال.
لو كان الفارابي معنا اليوم هل سيظل محتفظاً برأيه ومتمسكاً بوعظه ؟!

نجحت البشرية اليوم في أن تضع للعدل معايير، وأن تجعل من رئيس الدولة موظفاً بصلاحيات محدودة تمنحها له الأمة ، وتُحاسبه عند تقصيره أو تجاوزه ، في حين لا نزال نبحث عن الرئيس الرمز والإمام العادل صاحب السلطات المطلقة والقدرات الخارقة، فإن لم نجده فإننا سننتظر رجعة الإمام المهدي [ عجل الله فرجه] وإلى حين خروجه فإننا سنعيش تحت ظل نُوابه من المرجعيات وآيات الله !!

أحد الواعظين ينقل رأي ابن خلدون بأن أمة العرب لا يصلحها إلا نبي أو وَليّ ، ولنا أن نتساءل مادام وقد انقطع أمر النبوة، فهل يدعونا واعظنا المُبجّل أن نبحث عن الأولياء ليصلحوا شؤوننا كعرب؟!!!؟ ثم من هم هؤلاء الأولياء من وجهة نظره؟!!! لا تذهبوا بعيداً، فالواعظ ليس من أنصار ولاية الفقيه أو هكذا نظن .

نتحدث كثيراً عن الإحسان وأنه أعلى مراتب الدين، والسؤال هو : كيف نحقق الإحسان؟ وكيف نقيس تحققه؟!! ألا نجد في أنظمة الجودة اليوم-مثلاً- وسيلة عملية نستطيع من خلالها الحكم على إحسان الفرد أو المؤسسات، وفقاً لمعايير واضحة معلنة؟!! ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن دولة إسلامية-كماليزيا- لديها نظام جودة لتقييم مساجدها الكبيرة.

نحن نَعِظ الناس بضرورة الرقابة الذاتية، وسنظل ندفعهم إلى ذلك، ولكن، أليست الوسائل الحديثة من كاميرات تصوير وبصمة، وأنظمة رقابة كفيلة بدفع الناس إلى القيام بمهامهم ومراقبة سلوكهم ؟!!

لعلنا اليوم بحاجة إلى الحديث حول كيفية تحويل القيم إلى مشاريع عملية قابلة للتنفيذ، ولذلك فإن مغادرة مربع الوعظ العاطفي المجرد إلى الخطاب العقلي الواقعي يصبح أمراً لازماً.

والخلاصة أننا بحاجة ماسة إلى أن تتوافق المواعظ والخطب مع حركة حياة المجتمع، ولا ينبغي الإغراق في الدعوة للمثالية، وإغفال الطبيعة الإنسانية، وما دمنا نؤمن بأن الدين منهج حركة وحياة، وليس قوالب مثالية جامدة فحتماً سنكثف جهودنا لتحويل كل قيمة جميلة إلى ممارسة عملية.

عن الشميري

شاهد أيضاً

يوميات الغائب

● رياض السامعي ■ لا أريد التسلل إلى غيابي فأنا لستُ ملائماً لنبش أنقاضي وذَرَّها …

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: