عُد إلينا يا أيوب فناناً نحبه أو رئيساً نتمناه

سبأ محمد الحمدي

يقول الأشقاء العرب أن الفن ولد باليمن، وهي حقيقة لا مراء فيها، لكني اكتشفت أن الفن بجلال قدره يقف هناك خجلاً عند عتبة باب أيوب طارش، منذ صغري وأنا استمع له لكنها المرة الأولى التي تحلق فيها خيالاتي معه بعيداً بعيداً .. ويرتقي فيها الاحساس عالياً بهذا القدر محلقاً في سماوات الطرب الشجي وفضاءات النغم العذب على صدح أوتاره المميزة وشدوه المذهل، ثم تعود وتغرق في دفء حنجرته وكأنها بحر لا آخر له أو لا آخر لعذوبته ..

كيف لي لم الاحظ هذا الأداء العبقري ولم انتبه لذلك الإحساس الفريد ؟! كيف فاتتني كل هذه الروعة ؟ !!
لا أصدق أني ظللت عمراً أتسكع على الأرصفة ابتاع الخردوات معتقدة أني بلغت قلب سوق الفن .. حقاً !!! كيف ضللت دربي ؟!!!! مع أن كل الطرق تؤدي إلى أيوب طارش عبسي .. وليعذرني عملاق الفن لأني الآن فقط اكتشفت لماذا كان (جدي الشهيد) إبراهيم الحمدي (رحمة الله عليه) يحتسي كؤوس روائع أيوب وليس غيره (الأغاني الوطنية) وكأنها قهوة الصباح أو يتنفسها كلما تنفس الصباح وكأنها أكسجين الوطنية ..

“أيوب مدرسة في الطهر ومدرسة في الفن، وهو أحد ثلاثة احترموا الفن وانتقوا الكلمة انتقاء إلى جانب أم كلثوم وعبدالوهاب ” بحسب توصيف أديبنا الكبير الأستاذ عبدالعزيز المقالح، ولم يكن ينقص أيوب وهو المكتمل فنياً وروحياً وأخلاقياً غير وجود عملاق آخر اسمه عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول) الشاعر الذي تنضح أشعاره ب”الهم الوطني والظمأ العاطفي” ليشكلا معاً ثنائياً أسطورياً ربما لا يتكرر في قرون ..
فن اسطوري.. فن خرافي .. فن خالد .. فن ولدته الطبيعة أو كأنه نبت من رحم الأرض، عطر الأجداد فيه ومعه عبق أمجادهم، وبه أريج السهول وله شذى الحقول، فن متخم بالسحر والعذوبة والصدق وليس بعده روحانية إلا التصوف ..

أيوب غنى وأطرب وأمتع ولا تدري حين تستمع له إن كان الرجل يغني للطبيعة؟ أم الطبيعة هي من تغني له؟!! ولا تعرف هل هو من يراقص الكلمات أم أن الكلمات انتشت بصوته وأحست لأول مرة بمدى الجمال المسكون فيها فثملت وعربدت ثم انطلقت ترقص لوحدها ..

بمجرد نظرة فقط من نافذة اللغة أو بإطلالة قصيرة من شرفة النغم لاستشراف مخزون هذا الفن المدهش تحس وكأنك تسمع صخب الدنيا وهي تردد نشيدنا الوطني بعد أيوب وتتلوه بيتاً بيتاً بأناة وبقوة وحماس، وأكف الخليقة حوله تصفق انبهاراً بمخزون الجمال والجلال والدلال الموجود في اليمن أو لدى أيوب اليمن، ورغم تعرفي المتأخر -للأسف- عليه فقد صرت وأنا أنصت له أقابل أيوب هنا أو هناك في كل زقاق وضاحية وسهل على تراب أرض سبأ، فربما كان مرة مشقر على رأس فتاة ريفية في تعز أو وجدته “شحرور يهمس الأرض بين الدوالي” في تهامة، وأحياناً هو عنقود عنب من كروم صنعاء أو غدا كوز بارد تنهل منه العذارى أو مكنة يهربن إليها حين ينهمر عليهن المطر في جبال حجة .. بل لطالما شاهدته بكوفيته “الزنجباري” مثل معلم جاء من أعماق التاريخ من عصر يمنات وأوسان وحمير يقف على القمة وحده شامخاً كالعلم إن لم يكن هو القمة نفسها أو هو العلم ذاته..

الوطن أجمل بصوتك يا أيوب، اليمن فاتنة لا تضاهى ولا تضارع جمالاً وسحراً حين ترسمها حنجرتك وتنساب بين ثناياك يا عملاق الفن .. وأيامنا أجمل وأوقاتنا أحلى معك .. صوتك الرنان يطرب يشجي يشفي .. صوتك يعيد تفعيل قانون الجاذبية وربما قوانين نيوتن برمتها، صوتك يغسل الروح بكؤوس إحساسك الخرافي ويغترف لها من أبحر النقاء ما شاءت .. ومعك لا يجد أحدنا إلا أن يضرب كفاً بكفٍ متسائلاً .. ماذا بعد؟ وليس بعد فنك يا أيوب سوى العدم ..

عد إلينا يا أبا صلاح من رحلتك العلاجية الخارجية بسلامة الله، فنحن ننتظر عودتك، شعبك لم يكتف منك بعد ولم يرتوِ، وطنك لازال يحتاج وجودك ووجود الأصفياء أمثالك، اليمن تشتاق عودتك أستاذ في الفن أو رئيس للبلاد، رجاء عد إلينا فلم يبق لنا اليوم من ريحة الأولين أو ما نفخر به غيرك يا أيوب ..

عن Dahan

شاهد أيضاً

المغالطات المنطقية

د. عبدالقوي القدسي نتلّقى يومياً رسائل هائلة بإرادتنا أو بغير إرادة منا، عبر وسائل الاتصالات، …

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: