هل الشورى مُعْلمة أم مُلْزِمة؟

0 19

✍د. عبدالقوي القدسي
الإثنين ٢٧ يناير ٢٠٢٠

يثار جدل بين الباحثين المسلمين حول حقيقة الشورى في الإسلام ، وهل هي مُعْلِمة (نتيجتها غير ملزمة) أم مُلزِمة (يجب الأخذ بنتيجتها).
وكعادتنا، فإننا سنناقش القضية بإيجاز في إطار حديثنا عن النهضة المنشودة .

تذهب طائفة من العلماء إلى وجوب الشورى ،استناداً إلى قوله تعالى وشاورهم في الأمر “[آل عمران:١٥٩]، وقوله تعالى:”وأمرهم شورى بينهم”[الشورى: ٣٨].

بينما تذهب طائفة أخرى إلى أن الشورى مندوبة وليست واجبة، استناداً إلى نفس الأدلة، فالأمر في قوله تعالى:” وشاورهم في الأمر” عند هذه الطائفة للندب، وليس للوجوب، والشورى ليست إلا من باب تطييب الخواطر بموجب هذا الرأي .
الحاكم إذاً هو صاحب القرار فإذا عزمَ على أمرٍ أمضاه، ولا اعتبار لمخالف، بدليل قوله تعالى:”فإذا عزمت فتوكل على الله”!!

يقول صديقي :
ليس لدينا كمسلمين أي نظرية للحكم، ولا للشورى؟ ويتابع قوله : من غير المعقول مناقشة هل الشورى ملزمة أم مُعلمة في عصرنا الحديث !!

دعونا نذهب سوياً إلى كتب السيرة والتاريخ لنفتش عن طرفٍ من ممارسات النبي(ﷺ) للشورى.

في غزوة بدر ، وبعد أن أفلتت عير قريش، وخرج المشركون بجيشهم بَطَراً ورئاء الناس ليقاتلوا المسلمين، استشار عليه الصلاة والسلام أصحابه من الأنصار والمهاجرين، وبعد أن استقر الرأي على القتال أمْضاه، وحدث النصر .

في غزوة أُحُد استشار (ﷺ) أصحابه هل يقاتل المشركين خارج المدينة، أم يتحصن داخلها، فأخذ بالرأي الغالب، رغم مخالفته لرأيه، وخرج لملاقاة عدوه، وكانت النتيجة هزيمة المسلمين، ونزول قول الله تعالى : “وشاورهم في الأمر ” بعد هذه الخسارة الفادحة، يُعد تأكيداً على أهمية ممارسة الشورى .

في غزوة الأحزاب، فاوَضَ النبي (ﷺ) غطفان على إعطائهم ثلث ثمار المدينة مقابل كسر الحصار المضروب عليها، واشترط عليهم مشاورة أهل المدينة قبل إمضاء الاتفاق، فلما عرض الأمر على زعماء الأنصار، وتأكدوا بأن الأمر ليس وحياً، وإنما اجتهاداً، قالوا ـ على لسان سعد بن معاذ : “يا رسول الله، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله (ﷺ): “فأنت وذاك” فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب.

هل الأغلبية معتبرة لحسم نتيجة الشورى؟
وهل هناك عدد محدود للمستشارين؟
الغالبية معتبرة في نظر القائلين بأن نتيجة الشورى مُلزمة، وأما من يرى بأنها مُعلمة فإنه لا يُلقي بالاً لأقلية أو أكثرية، فَرأيُ الحاكم واجتهاده في نظرهم مُقَدمٌ على رأي الأغلبية، وليس هناك تحديد لعدد أهل الشورى!!
الشورى سلوك اجتماعي وسياسي في آن واحد، والإنسان بمشاورته الآخرين يضيف قوة إلى قوته، وعقولاً إلى عقله، وبالمشاورة تُستخلص أنجع الآراء، وأرجحها، ولذلك فلا يستغني الحاكم، ولا المحكوم عنها في معالجته لقضاياه الحياتية.

يبدو -جلياً- بأن الشورى لها أكثر من صورة : فإذا كانت القضية شخصية أو مرتبطة بأعمال إدارية تحمل صفة التنفيذ، وضمن صلاحيات المسؤول، فهنا تكون الشورى مندوبة، ونتيجتها مُعْلِمة، وللمسؤول أن يستشير أصحاب الخبرة أو يستعين بمكاتب استشارية – كما هو عليه الحال اليوم- ويتخذ القرار الأنسب، وأما إذا كانت القضية لها صفة الشأن العام، كاتخاذ قرار الحرب أو سن قوانين تشريعية، فلا يحق للحاكم أن يتخذ قراراً بدون الرجوع إلى أهل الشورى، ونتيجة الشورى في مثل هذه الحالة تكون ملزمة، وإلا لكان في ذلك تكريس للاستبداد !!

يجب أن نفرق بين ممارسات النبي (ﷺ) المُعبرة عن الوحي، كما كان في صلح الحديبية، وممارساته التي هي محض اجتهاد، فالأولى لا نقاش فيها، وإنما الحديث عن الثانية .

تُرك أمر الشورى لصلاح الحكام، وحسن اختيارهم للبِطانة، وأهل المشورة، ولم يكن ثمة تمثيل للشعب، واعتبر البعض أن اسم “الأمة” أو “الجماعة”إنما ينطبق على العلماء، وأهل الفقه، وبذلك اقتصر الأمر في الشورى على فئة دون الناس، فَحُرمت الأمة آراء الكثير من الخبراء وأهل العلم والمعرفة .

مارَس النبي (ﷺ) الشورى ، فتارة كان يشاور بشكل خاص، كما فعل في حصار المدينة، وتارة كان يستشير من حضر معه في غزوة أو موقف .

لم يكن هناك مجلس منتخب يسمى بمجلس الشورى- كأيامنا هذه – وإنما كانت هناك مرحلة مهمة من مراحل الشورى تدخل ضمن مراحل تطور المصطلح، كما هو الشأن في تطور جوانب الحياة المختلفة.

سيكون من الإجحاف الحكم على الشورى الإسلامية من خلال مقارنتها بما وصلت إليه البشرية اليوم من نُظُم، أو النيل منها نتيجة للممارسات التاريخية الخاطئة للمصطلح، كما أن الجمود على استصحاب الممارسة التاريخية للشورى كتفسير وحيد لها يجب السير على خطاه يقيّد المسلمين عن تحويلها إلى نظام مكتمل الأركان، وقابل للتنفيذ في الحياة السياسية تحديداً.

ظلت الشورى مرتبطة بالحاكم، وليست بالشعب.فجماهير الشعب مغَيّبة ولا تُستشار، فهم عوام وسوقة، ودهماء، أو ورعاع، وعبيد وإماء، أو سفلة، وموالي، فكيف يمكن أن يستشار أمثال هؤلاء؟!!

لا يحيط بالسلطان إلا من يحب من المتزلفين أو الأقرباء أو وُعّاظ السلاطين، وأما العلماء، والفقهاء- أصحاب الرأي- والمناوئين فليس لهم إلا السيف، أو يكون مصيرهم خلف القضبان!!

يسال الكثيرون، هل هناك علاقة بين الشورى والديمقراطية؟
سيكون هذا عنوان مقالنا القادم إن شاء الله .

…………أهم مراجع:
١-كتاب السيرة النبوية لابن إسحاق والبداية والنهاية وتفسير القرآن لابن كثير .
٢-الشورى بين النظرية والتطبيق د.قحطان الدوري.

اترك رد