الرئيسية / اليمن / هل نحن بحاجة إلى ثورة فكرية؟!

هل نحن بحاجة إلى ثورة فكرية؟!


د.عبدالقوي القدسي

يرتبط مفهوم الثورة ارتباطاً مباشراً بالجانب السياسي، فإحداث التغيير ،الإيجابي أو السلبي، وتغيير الأنظمة بطريقة ناعمة، أو عنيفة هي النتيجة المعبرة عن حركة فئام من الشعب أو النخب العسكرية أو الفكرية، وقد سجًل تاريخ البشرية الكثير من الثورات التي حلت من خلالها أنظمة محل أخرى، واختفى من المشهد حكامٌ وبرز آخرون .

الثورات السياسية -إن لم تكن وليدة ثورة فكرية – فإن مصيرها الفشل، وإن بدت منتفشة لفترة من الزمن لكن تلك الانتفاشة لا تعدو أن تكون نشوة عابرة كسرابٍ يحسبهُ الظمئان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

إن عمليات الهدم التي تحدثها الثورات يجب أن تعقبها مرحلة بناء، ولا نعني بالبناء مجموعة الأحجار والأسمنت التي نرمم بها المباني، ونعيد تأهيل الجسور والأنفاق المدمرة، ولكن البناء الذي نعنيه هو البناء الفكري الذي يهيئ لأرضية صلبة يقوم عليها بنيان المجتمع المنشود.

الثورة الصناعية والتكنولوجية، وأنظمة الحكم ، والممارسة الديمقراطية كانت نتيجة لثورةٍ فكرية أحسنت تشخيص الداء، ومن ثم وصفت الدواء.

في بلادنا العربية أحزاب تتنافس على استخدام المواطن بدلاً من خدمته، وحُكامٌ فراعنة شعارهم:” ما اريكم إلا ما أرى”، وجماعات دينية كلما دخلت واحدة منها معترك السياسة، والحياة لعنت أختها وسفّهت أحلامها، وإن ظلت بعيدةً عن السياسة كفّرت غيرها.

في بلادنا يهتف الناس للزعيم أو السيد بالحياة وسيفه مُسلط على رقابهم يتهددهم بالفناء، وفي بلادنا يحكمنا فكر الموتى، ولأحكامنا نستدعي آراء الفقهاء من سلف الامة، وذوي العصور الأولى.

يتبادل الشيعة والسنة كل عبارات التخوين والتفسيق، وفي إطار السنة والشيعة فرقٌ تلعن بعضها، والأدهى والأمَر أن تدعي كل طائفة تمثيلها الحصري للدين وأحقيتها في حكم المؤمنين بآراء الأوصياء من الأولين والآخرين، وتحصر الجنة في الأتباع والمناصرين.

لا توجد أمة -كأمتنا اليوم- تعرف تفاصيل الآخرة، والجنة والنار والحُور ، وحياة أهل القبور، ولا تعرف عن حياة الدنيا سوى أنها متاع الغرور.
نعيش على صناعات الآخرين، ومنتجاتهم، ونلعن اديانهم وحضاراتهم في كل وسيلة صنعتها أيدي أولئكم الملعونين من اليهود والنصارى، وأهل الكفر والضلالة.

هل نحن بحاجة إلى ثورة فكرية تعيد للقيم الإنسانية اعتبارها؟ وترسم معالم مستقبل يُعلي من قدر الإنسان، ويرسخ معاني الحب والوئام، ويتعامل مع الناس دون تصنيف، ويقدس العمل، ويزيل القداسات التي اصطنعها البطّالون، والعاطلون من الناس .

هل نحن بحاجة إلى ثورة فكرية تتعامل مع الماضي كتراث، تأخذ منه وتدَع، ونطلق للعقل العنان ليبني ويحقق وظيفة الخلافة في الارض؟!

هل نحن بحاجة إلى ثورة فكرية تخلق توازناً بين متطلبات الدنيا والآخرة، ثورة تعيد إلى الدين اعتباره، وتلخص للناس قيَمه وعباداته، وتضع عنهم إصْرَهم وأغلال الآراء والجماعات، والمذاهب التي فُرضت عليهم، ثورة تستفيد من خبرات البشرية المتراكمة وتتعايش مع الحضارة الإنسانية القائمة، وتعتز بهويتها، وتُجلي عنها غبار التعصب وركام الفُرقة والخلاف؟!

لسنا بحاجة إلى أسلحة كيماوية لتحقيق الثورة الفكرية، ولا لشعارات فئوية، ولا لدعوات مناطقية، نحن بحاجة إلى عقليات، وقدرات فكرية استثنائية تتجاوز كل العقبات وتقضي على كل الآفات بحكمة واقتدار، عقليات لا تتنكر للماضي برمته، ولا تنبهر بالآخر حتى تتماهى فيه وتستسلم لكل إنتاجه وعفنه .

هل نحن بحاجة إلى ثورة فكرية تأخذ بأيدينا إلى إحداث تأثير حضاري، وإلى التعايش السلمي مع ذواتنا قبل غيرنا، وهل نحن بحاجة إلى فكر جديد يعيد ترتيب الأولويات، وإحداث التوازنات، ومحاربة الغلو والتطرف وكل أشكال التعصب والعنصرية؟!!

ندرك بأن إحداث ثورة فكرية ليست بالأمر الهيّن، ولكننا في المقابل أيضاً ندرك بأن نتائجها ستكون مبهرة، ولن نتعجل قطف الثمار، وسنكتفي بغرس الشجرة لنذوق طعم ثمارها بأفواه أحفادنا، ونؤمن بأن العاجزين هم الذين يستخدمون القوة كأقصر الطرق للتغيير، ويتلذذون بالدماء ومنظر الأشلاء، وأما أصحاب الفكر فإنهم لا يملون رغم طول الطريق ويدركون بأن تغيير الحياة مرتبط بالفكر، ومن أرضية الفكر الخصبة تنبت أشجار الحياة الكريمة.

عن الشمروخ

شاهد أيضاً

الاصلاح وعلي محسن وهلال اليمن الخصيب

الكاتب/ سيف بن محمد الحميري على ضوء الأحداث القائمة وما تاتي به الأيام نجد ان …

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: