إبراهيم الحمدي وطنية التكوين وعروبة التوجه وإنسانية المآل

0 131

محمد ناجي أحمد

5 – 2

إن واجبنا الوحيد تجاه التاريخ هو أن نعيد كتابته ” أوسكار وايلد

قراءة خطب وكلمات الشهيد الحمدي خلال الثلاث السنوات والأربعة أشهر التي حكم بها تعطي تصورا واضحا لطبيعة المشروع الوطني الذي أراده الحمدي ،وتنبه لخطورته الأعداء محليا وإقليميا ودوليا ،فلم يعطوه الفرصة لإنجازه ،واتخذوا قرارهم بتصفيته ،وتصفية التجربة قبل أن يقوى عودها.
شدة عشقه الصوفي للشعب ينعكس باستخدامه لعبارات حميمية تجاه الشعب ،إضافة إلى استخدامه لمفردة ( الأخوة ، الأخ ، إخواني ).
لم يكن الحمدي محتاطا وحذرا من تدبير عملية اغتيال له ،لهذا كان يتجول في مرات عديدة لوحده في سيارته الشخصية . يسأله صحفي عن صحة وجود محاولة لاغتياله فينفي ويقول ليس هناك محاولة للاغتيال فأنا أتحرك بدون حراسة .
في سؤال أخبار اليوم القاهرية في العيد الأول للحركة التصحيحية عن حقيقة الإشاعات التي تتردد من أن هناك محاولة لاغتياله . أجاب ” هذه الإشاعات سمعتها أنا أيضا ،ولكنها ليست صحيحة ..ويمكن اغتيالي بسهولة إذا أراد أي شخص .لأنني أسير بلا حراسة ” ص44.خطب الرئيس الحمدي…

كان مفهوم الاستقرار والتنمية في وعي الشهيد الحمدي هو أن يكون الجميع منتجين ،لا أن يعتاش البعض من دماء اليمنيين والحروب ،كما حدث طيلة حرب الثمان سنوات التي مولتها وقادتها السعودية ضد اليمن طيلة -26سبتمبر ١٩٦٢م – مارس 1970. ففي كلمته التي ألقاها في اجتماعات المؤتمر الثالث لهيئات التعاون 23 -11- 1975م ،جاء فيها ” … ومفهوم الاستقرار أيها الأخوة هو عدم العودة إلى التلهي بدماء المواطنين وبهدم وبتدمير القرى وايتام الأطفال وترميل النساء ،إذ هناك من رأوا في حياة الأمن والاستقرار تعطيلا لمواهبهم الحربية ،وتجميدا لبطولاتهم ومنعا للرزق ،وكأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا إلاَّ إذا ظلت البلاد قلقة وغير مستقرة والشعب في حالة تناحر واقتتال ،بينما المجال لعمل الخير والإصلاح مفتوح أمامنا جميعا ،ونستطيع أن نعيشه ونعلن احترام وتقدير هذا الشعب وحبه بالعمل المخلص له ومن أجل رخائه وازدهاره …”ص97 خطب وتصريحات الرئيس القائد إبراهيم الحمدي.
تقدم خطب الحمدي ومقابلاته صورة حية عن مساره وتكوينه الوطني والتزامه القومي مع الدول العربية والقضية الفلسطينية .
إيمانه الوطني هو بوصلة علاقاته ، فإذا تعارضت مصلحة اليمن مع أي انتماء اعتبر الانتماء الآخر خيانة ،وطالب بفك الارتباط به ،لهذا السبب باعتقادي كان انجذابه للناصريين اليمنيين حين استجابوا لشرطه أن يكون تنظيمهم يمنيا دون ارتباط بمركز خارج اليمن. فالأحزاب في اليمن كان قرارها في مصر أو بغداد أو سوريا أو ليبيا …

ما يلفت النظر أن كل الأعياد والمناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية والاقتصادية تتحول في خطبه إلى فرص للتحشيد الجماهيري باتجاه النهوض الوطني والتنموي والمشاركة الشعبية : عيد الشجرة ،يوم الأم ، يوم الجيش الذي اتخذ من تاريخ 27ابريل 1975م عيدا لبناء جيش وطني دون مراكز قوى مشيخية،وتم الاحتفال به في كل عام من ذلك التاريخ ، عيد العمال ، عيد الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر ، وعيد المعلم ،ومناسبة قدوم شهر رمضان ، واجتماعات لجان التصحيح ،واتحاد هيئات التطوير التعاوني ،واجتماعات لجان الإعداد للمؤتمر الشعبي العام ، والإعداد لانتخابات برلمانية ، والاحتفاء ب 13 يونيو من كل عام ، وهو اعتبرها في مقابلة صحفية معه بأنها ليست حركة ولا انقلابا وإنما إصلاح وعودة إلى مسار ثورة سبتمبر – كل تلك المناسبات والأنشطة كانت عناوين لتحشيد الجماهير نحو النهوض باليمن . مشروع كان في سباق مع الزمن ،يريد أن يحرق المراحل ويقفز من مرحلة الحبو إلى مرحلة الوثب العالي…
هذا هو الحمدي بإيجاز ،ولهذا كان اغتياله اغتيالا لوطن لا يراد له أن يكون ،أو أريد له سعوديا وغربيا أن يظل فناء خلفيا للارتزاق …

اترك رد