إنهيار المناعة العربية (1)

0 352

الصحيفة: مقالات

الكاتب: د/ سمير عبدالغني طارش

عنوان إنهيار المناعة العربية كما اراه هو الآنسب لتوصيف واقعنا العربي اليوم الذي أصبح نحيلا هزيلا متعبا ومنهكا مقطعة أوصاله والدماء تنزف من أطرافه وشواطئه والذي أصيب بفقدان القدرة على التحكم بالاداء الوظيفي الطبيعي المنوط به .

كل يوم يمر على امتنا العربية يصبح أسواء من اليوم الذي سبقه رغم المحاولات المستمرة من قبل شعوبنا العربية الاصيلة في المقاومة من الانهيار الكامل في محاولة للحفاظ عليه ومعافاته. وطننا العربي الكبير كما عرفناه وغرس في وعينا وثقافتنا ووجداننا هو وحدة واحدة متماسكة ثقافيا وتاريخيا ولغة وأحلام وارض ممتدة مترابطة مع بعضها البعض بنسيج من الحرير الاصيل القوي العصي على القطع من المحيط الى الخليج.

هكذا هو وطننا الذي حلمنا به وتغنينا بعيونه وتفاخرنا بتاريخه ونادينا بوحدته هو اليوم في أسواء حالاته تنهش به الذئاب المتوحشة من الخارج والخلايا السرطانية من الداخل بعد ان تم مسخها وتحويرها بتاثيرات خارجية لتاكله من جوفه حينما تسلل الاعداء من نقاط ضعف ألمت بالامة بعد غياب او تغييب القيادة القومية التاريخية عن الساحة العربية باغتيال الرئيس جمال عبدالناصر الذي قاد حركات التحرر العربي ضد الاستعمار والرجعية ودعمها بالمال والرجال.

في تقديري أن محاولات إيقاف عجلة التاريخ التي تحركت في مياه الارض العربية ووشورعها بعد ان تحققة اول وحدة عربية في التاريخ الحديث بين مصر وسوريا عام 1958, تم إجهاضها  بنجاح القوى الاستعمارية وعملائها بقرار الانفصال بين مصر وسوريا في 28 سبتمبر 1961 والذي رغم فداحة الخسارة التي منيت بها القيادة العربية إلا انها ظلت متماسكة قوية فكان إنتصار اليمن بثورته ضد الامامة بعد عام واحد فقط من الانفصال ليطرد الامام الكهنوتي في ثورة قادها الضباط الاحرار في 26 سبتمبر 1962 .

لم تستسلم القوى الاستعمارية بسهولة فكانت محاولة إجهاض الثورة اليمنية من اليوم الاول عبر حرب إستنزام عرفت بحرب اليمن إستمرت حوالي 5 سنوات قدم فيها الشعب اليمني التضحيات الجسيمة كان اولها إستشهاد قائد الثورة الملازم البطل علي عبدالمغني في صرواح وهو يطارد فلول الامامة الكهنوتية السلالية المجرمة وتلته  تضحيات جسيمة قدم فيها الجيش العربي المصري الآلاف من الشهداء على الارض اليمنية دفاعا عن الثورة التي اتت لتقضي على حكم الكهنوت الامامي السلالي المجرم الذي جثم على صدر الشعب قرون عدة حرمه من الحرية والتنمية والتحضر.

لم يكن الدور العربي المصري في اليمن محصورا فقط بدعم الثورة اليمنية في شمال اليمن وقيام الجمهورية العربية اليمنية ولكنه ايضا دور امتد بحكمة وإيمان لدعم شعب الجنوب اليمني في ثورته التي إنطلقت من جبال ردفان في ال14 اكتوبر 1963  ضد الاستعمار البريطاني الذي جثم و اكل و شرب ونهب وإستغل ارض الجنوب لاكثر من 130 عاما وذلك حدث بعد حوالي عام واحد  فقط من قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن.

كانت تلك الحقبة من تاريخ أمتنا هي فترة الصحوة القومية والتي حملت مشعل الحرية والكرامة العربية وتبنت التنمية والصناعة والتعليم وزرعت قيم الحرية والعدالة والمساواة ورفض التمييز الطبقي و العرقي والمذهبي والسلالي والديني بين ابناء الامة العربية الواحدة .

نتج عن تلك المرحلة نجاح ثورة الجزائر العربية وطرد الاستعمار الفرنسي من الجزائر وكل ارض المغرب العربي وكذا نجاح الثورات التي اخرجت القوى الاستعمارية من اليمن والخليج العربي وليبيا والتي كلها كانت مقدمات ضرورية لقيام الوحدة العربية وتحرير فلسطين من الكيان الصهيوني الغاصب الذي عمل الاستعمار على إبقائه خنجرا في خاصرة الامة العربية ومشروعها القومي.

حركات التحرر العربي من الاستعمار وعملاء الاستعمار المساندين له من عرب وعجم هي العنوان الابرز التي كان يتقدم مسيرات الشعوب العربية المناضلة ومنابر مثقفيها وشعرائها وفنانيها رصاصا و هتافا وكلمة وشعر و أغنية .

أمام هذا المد القومي الجارف الذي فتح له الشعب العربي كله ذراعيه وإستقبله بصدق ومحبة و إيمان تلبية لنداء القائد المعلم جمال عبدالناصر كما وثقها الشاعر العربي الكبير سليمان عيسى في إحدى قصائده حينما قال (من المحيط الهادر الى الخليج الثائر لبيك عبدالناصر).

الجماهير العربية كانت تعرف فارسها وتؤمن به لانه أحبها بصدق وعمل من أجلها فلم تخذله ووقفت معه في أحلك الظروف وأصعبها سندا قويا وسدا منيعا ابقته في مقدمة الجيوش لمواجهة أعداء الامة في كل المواقع العسكرية منها او السياسية بل وذهب أبعد من ذلك عندما مد يديه الى خارج الارض العربية فامد حركات التحرر في افريقيا وامريكا اللاتينية بكل ما يمكن ان يقدم حينها عسكريا وسياسيا وثقافيا أيضا.

كانت نكسة 67 هي المؤامرة الاكبر التي حاول اعداء الامة من خلالها القضاء على عبدالناصر بعد الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961 وبعد إدخال الجيش المصري فوق الرمال المتحركة في اليمن التي إستنزفت الجيش المصري وألاقتصاد المصري سنوات عدة وبدعم من عملاء الاستعمار في الارض العربية وخارجها ولكن الشعب العربي والمصري خيب أملهم فوقف مع القائد رغم الهزيمة حينما خرجت الملايين من المحيط الى الخليج وفي ارض مصر ذاتها إثر تقديم ناصر إستقالته وخطاب التنحي الذي وصل الى قلب كل إنسان عربي واعي ومدرك تماما انها الحرب الغادرة التي اراد من خلالها الاستعمار إزاحة القائد العربي الذي سكن قلوب الجماهير من المشهد ليعود مرة أخرى من الشباك الذي أغلقته الجماهير العربية بعد أن طرتها من الباب.

فشلت مؤامرة يونيو 67 في إسقاط عبدالناصر او تنحيه ولكن تلتها تبعات اخرى اهمها إتفاق إنسحاب الجيش المصري من اليمن والذي مع الاسف نتج عن هذا الانسحاب ألانقلاب على الرئيس السلال وخط الجمهورية في 5 نوفبر 67 ووصول قوى الرجعية العربية للحكم وهي ذاتها من أعادة الاماميين شركاء في الحكم بقميص جمهوري زائف بعد ان طردتهم ثورة سبتمبر .

بالمقابل فقد خرج أخر جندي بريطاني من جنوب اليمن في 30 نوفمبر 1967 ايضا وسلم الجنوب لاحد فصائل الحركات التي ناضلت ضد الاستعمار وهي الجبهة القومية على حساب جبهة التحرير مما أشعل حرب اهلية كانت مؤلمة ودموية نتجع عنها إقصاء جبهة التحرير ونزوح قياداتها وكوادرها وأسرهم الى شمال اليمن لتستقر فيه وتعيش وكانت هذه ثاني نتيجة سلبية لنكسة 67 من وجهة نظري وذلك بتغييب القيادة العربية المصرية عن المشهد اليمني وترك القرار بيد القوى الاستعمارية وحلفائها في المنطقة.

لقد كانت ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 هي أهم الانتصارات التي تحققت للمشروع القومي العربي بعد نكسة 67 والتي قام بها الضباط الاحرار في ليبيا بقيادة العقيد معمر القذافي والذي اطلق عليه بعدها أمين القومية العربية.

يتبع في الحلفة الثانية

اترك رد