الدكتور مروان الغفوري يكتب …إخوان اليمن يكذبون على التاريخ 

0 449
 د. مروان الغفوري
سبق أن قلتُ، في مقالات سابقة، أن حزب الإصلاح اليمني هو منتج ثقافي وحركي سعودي. يصر مؤرخو الحزب على القول إن التأسيس الأول حدث بعد عودة “عبده محمد المخلافي،???? ـ????” من مصر. توفي المخلافي في حادث سير وهو في الثانية والثلاثين من عمره، بعد أقل من عشرة أشهر من الحرب الشهيرة “حرب/ حصار السبعين”.
في مصر قضى وقتاً قصيراً، كان لا يزال طالباً في الثانوية عندما اعتقلته السلطات المصرية. في الفترة تلك كان تنظيم الإخوان المسلمين قد حُل كتنظيم وتعرض لضربة مميتة من النظام الذي جاءت به ثورة يوليو. الطفل المخلافي، الذي يقول كاتبو سيرته إن السلطات المصرية اعتقلته كان وافداً جديداً على بلد يعيش وضعاً سياسياً استنثائياً. يصعب القول إنه قد شكل مشروعاً دينياً “عالمياً” في الفترة المصرية، بالنظر إلى أنه جلس بعض الوقت عند تخوم مجتمع جديد. لم تكن خبرته ولا سنه الصغيرة تسمحان له باستيعاب ذلك المجتمع المتلاطم، أحد أكبر مجتمعات العالم الثالث في ذلك الوقت وأكثرها حيوية.
دخل المخلافي الأراضي السعودية في العام ???? وقضى فيها قرابة خمسة أعوام. لقد عاش في الفترة التي شهدت ازدهار نسخة جديدة من الإخوان المسلمين، النسخة السعودية. سترعى السعودية تلك النسخة، وتهذبها، ثم ستستخدمها في حربها ضد عبد الناصر في ستينيات القرن. لا بد وأن تلك الأيام السعودية قد تركت أثراً في التكوين النفسي، على الأقل، للشاب المخلافي. ثمة آثار تقول إن الشاب بدأ يمارس الكتابة الدعوية في مطوية سعودية اسمها “حراء”، ولا توجد آثار مشابهة عنه في الفترة المصرية. لم يترك المخلافي أثراً فنياً أو أدبياً ناضجاً يمكن الإحالة إليه، وهو ما يجعل التسليم بالرواية التي تقول إنه المؤسس الأول للإخوان المسلمين في اليمن مجرد رواية شفاهية رومانسية.
إلى جانب المخلافي تتحدث الأدبيات الإخوانية عن مؤسسين آخرين تلقوا النسخة المصرية من “إيديولوجيا الخلافة” ونقلوها إلى بلدهم: الزبيري، البيحاني.
جاء البيحاني للدراسة في الأزهر، وكان قبل وصوله إلى مصر قد اشتُهر كرجل دين وواعظ في جنوب اليمن، يلقي الخطب ويكتب الأشعار التي تتحدث عن الفضيلة في صورتها الشعبية.
أما الزبيري فكان يخوض هماً أبعد ما يكون عن إيديولوجيا “خلافة الله على الأرض”. وهو، منذ تخلى عنه الملك/ الإمام أو تخلى أحدهما عن الآخر، اكتشف معنى جديداً للحكم اسمه الجمهورية والتحق بآخرين يشغلهم المعنى نفسه. لم يترك الزبيري الجمهوري، ولا البيحاني الواعظ، من أثر يدل على أن أياً منهما قد شغلته مسألة استيراد تنظيم الإخوان المسلمين إلى اليمن. الفرضية التي تقول إن الثلاثة ربما اشتركوا، وهم في مصر، في صياغة نسخة يمنية من “الإخوان” لا يمكن أخذها على محمل الجد.
أُحيط بسيرة المخلافي تشويش كثير ضمن إصرار غير مفهوم على منحه لقب المؤسس، أو اليافع المعجزة.
 التحق بالإعدادية فور وصوله إلى مصر. يقول كاتبو سيرته إنه، وهو في المرحلة التعليمية تلك، كان يلتقي كبار منظري الخلافة في ذلك الزمن: المودوي، سيد قطب، الغزالي، أبو الحسن الندوي، محمد أبو زهرة، ومالك بن نبي. كانت تربط الشاب العشريني بكل هذه الأيقونات الإسلامية علاقة تبدو، من خلال اللغة التي تكتب بها سيرته، كما لو كانت ندية. في الأشهر القليلة التي قضاها سيد قطب في منزله، عقب الإفراج المؤقت عنه، زاره المخلافي في منزله مرات عديدة، وجرى بين الشاب والمعلم حوار مستفيض، ندي وحميم. المبالغات هذه، التي أحيطت بسيرة المخلافي، تجعل سيرته كلها محل شك.
تذهب قصة أخرى حول المخلافي إلى محاكاة مقالة لحسن البنا تحمل عنوان: “دعوتنا في قلوب أربعة”.
تقول القصة، وهي شهيرة، إن أربعة أشخاص اجتمعوا في شقة في حي الهرم وأعلنوا تأسيس النسخة اليمنية من الإخوان المسلمين.
المؤسسون الأربعة كانوا: المخلافي ،الزبيري ،الشيباني ،الزنداني. أما التنظيم فأطلق عليه اسم “كتلة العمل الطلابي”، لتحاشي إغضاب السلطات المصرية.
لا توجد آثار أدبية تقول إن الأربعة عملوا معاً فيما بعد، أو أن صيغة فكرية ذات طبيعة تأسيسية قد صدرت عنهم مجتمعين. حتى الآن لا توجد نصوص كتبها غير الإخوان المسلمين عن تاريخ الإخوان المسلمين.
أما القصة الإخوانية عن لحظة التأسيس فهي رومانسية في كل حالاتها ويصعب الاعتماد عليها.
من المؤكد أن إرهاصات، بدايات غائمة، قد تشكلت لدى الشبيبة التي ذهبت إلى مصر لتلقي العلوم، خصوصاً في جامعة الأزهر.
أجريتُ عملية تتبع لسيرة المؤسسين الأربعة المفترضين وفقدت الاتصال بهم بعد وقت من عودتهم إلى اليمن. أعني الاتصال بهم كمؤسسين مفترضين لحركة ستصبح هي التيار السياسي الأكبر في اليمن، بما يعني إمكانية رؤيتهم في المراحل الأولى وإلى خلفهم كتب وجماهير وبيانات حزبية ومواقف استحقت التدوين.
فالزنداني، أحد المؤسسين المفترضين، حاول مراراً الانفراد بروايات لا تمنحه درجة المؤسس وحسب، بل أباً للآباء المؤسسين. حتى إنه، كما يروي، التفت يوماً إلى رفاقه قائلاً: لقد وجدنا الزعيم، لقد وجدنا القائد. هذه اللحظة الكاريكاتورية، كما يرويها الزنداني، تستكمل نفسها قائلة إن الزنداني هو من نصب الزبيري قائداً للنسخة اليمنية من الإخوان المسلمين.
مرة أخرى نحن أمام مشهد بالغ الرومانسية بلا حبكة. إذ سرعان ما يتلاشى الزبيري تاركاً نضالاً جمهورياً وسيرة مثيرة للجدل، ولا علاقة لأي من ذلك بالأشواق الخلافِية التي يتحدث عنها الزنداني.
أما الأخير، الزنداني، فيسلك أربعة طرق عقب مغادرته لمصر: طريق التوحيد في السبعينيات، طريق الجهاد الأفغاني في الثمانينات، طريق الحرب اليمنية في التسعينيات، ثم يصبح مداوياً بالأعشاب في الألفية الجديدة. خلال العقود الأربعة تلك يصعب العثور على الزنداني بوصفه زعيماً لحركة إسلامية كبيرة ذات طبيعة سياسية، لم يترك خلفه أثراً فكرياً واحداً يلفت الانتباه.
أيضاً، ما إن يعود عبده المخلافي من مصر حتى يتلاشى هو الآخر كقائد ومؤسس أيقوني. سرعان ما يصبح معلماً مرموقاً في دوائر التربية والتعليم، وينفق الجزء الأخير من حياته القصيرة في شؤون تربوية، وظيفية وأخلاقية، في ريف محافظة تعز.
وإذا تعلق الأمر بالمؤسس الرابع “عبد اللطيف الشيباني” فإن الاتصال به ينقطع بمجرد خروجه من تلك الشقة التي قيل إنها كانت في حي الهرم.
يمكن القول إن الدارسين اليمنيين عادوا من مصر بمشاعر إسلامية عامة، مهندسة بعض الشيء. من المبالغ به القول إنهم شكلوا مشروعاً دينياً كبيراً واضح الملامح كالإخوان المسلمين.
لقد جاء التأسيس إذن، من مكان آخر غير مصر، من العربية السعودية. فقد وجد الدارسون اليمنيون في الجامعات السعودية، مثل جامعة أم القرى في مكة، الوقت والأمن الكافيين للاقتراب من النسخة السعودية من تنظيم الإخوان المسلمين، بعد أن رُفدت تلك النسخة بأسماء لامعة وصلت إلى السعودية وأكملت حياتها هناك: سيد سابق، الغزالي، محمد قطب، سعيد حوى، وآخرون.
كانت السعودية هي أغزر الأراضي انتاجاً للفكر الإخواني الجديد بعد اختلاطه بدرجات عالية من السلفية، أي توطين ذلك الفكر وجعله محلياً خالصاً.
خاض النظام السعودي بتنظيمه الإخواني، الذي أطلق عليه شعبياً مسمى “الصحوة”، مواجهات وحروب ضد أعداء المملكة، كما خاضت به غمار حرب مهلكة في أفغانستان استمرت لعقد من الزمان.
فتح الدارسون اليمنيون في الجامعات السعودية خطوط اتصال إخوانية بين الدولتين الجارتين، وبدأت حركة الإخوان المسلمين بالتشكل التدريجي، كمنظومة متماسكة، مطلع سبعينيات القرن الماضي. ولا يزال ممكناً، حتى الآن، تتبع العائدين من السعودية أو الذين تأثروا بمدرستها الإخوانية. يمكن العثور عليهم الآن، وبالأمس، في واجهة التنظيم وفي نواته، وهم على ما يحملون في أعماقهم ولاءاً ووداً للسعودية، المكان الذي شهد الولادة الفعلية، والتاريخية، لتنظيمهم.
هذه المشاهدة تدفعنا للقول إن حزب الإصلاح اليمني، وهو نسخة مطورة عن التنظيم البدائي، هو تنظيم سعودي في الأساس، ولا يزال يخطب هوى السعودية في كل سانحة.
مؤخراً ألغى الحزب عضوية توكل كرمان، الحاصلة على نوبل، كعقاب لها بسبب مواقفها المناهضة للسياسة السعودية في بلدها. هو مستعد لفعل أكثر من ذلك، فهو يطلب من السعوديين أن يديروا المسألة اليمنية وفقاً لتصورهم نظير أن تعترف بوجوده وتتخذ منه صديقاً. من هنا تبدو مشكلة الحزب مع الإمارات هي في عدوان الإمارات الفج للحزب، لا في طبيعة السياسة الإماراتية في اليمن.
مثل كل التنظيمات فحزب الإصلاح حزب براغماتي، في الأساس. غير أن ما يثير الاستغراب أكثر من أي شيء هو: كيف أن السعودية لم تتنبه، حتى الآن، إلى ما يمكن أن تجنيه من الفائدة فيما لو استخدمته بصورة أفضل!

اترك رد