الرئيس الأسطورة

0 349

الحلقة الثانية

قطنت أسرة آل مُسَلَّم- جد والد الرئيس الحمدي- بعدها كل من “حَمْدَة” و”ذِيْ بَيْن”، وكلاهما تتبعا محافظة عمران (حاليا)ً، وتقع “ذِي ْبَيْن” نحو مائة كيلومتر شمال غرب العاصمة صنعاء، وفيها أقام العالم الفقيه صالح مسلم الحمدي (جد الرئيس الحمدي)، وهناك رُزِقَ بولده محمد (والد الرئيس الحمدي) في ليلة مباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1306 هجرية/ 1889م، وكان مولده في ذلك التوقيت المبارك يثير هاجس ما لدى والده بأن قدوم طفله في ليلة هي خير من ألف شهر لابد وأنها تعني شيئاً عظيماً ..

وفي “ذِيْ بَيْن” نشأ الصبي (والد إبراهيم) وتربَّى في كنف أبيه، وعلى يدي والده الفقيه درس القرآن الكريم واللغة إلى جوار شقيقيه علي (صار قاضياً) وعبدالخالق، غير أن نبوغه المشهود وذكاؤه الفذ على مستوى أسرته جعله يصبح مدرساً منذ سن مبكرة، لكن شغف الفتى الفطري للعلم وولعه إلى المعرفة والاستزادة دفعاه إلى مغادرة “ذِيْ بَيْن” مدشناً مشواره العلمي الشاق الذي أوصله في نهاية المطاف إلى منصة القضاء وإلى تقلد المناصب الرفيعة، وعادةًً ما كانت رحلة كهذه تستهلك ما يزيد على عشرة أعوام يقضيها طالب العلم بصحبة العلماء المعتمدين والتتلمذ على أيديهم بحسب ظروف ذلك الزمان ..

البداية كانت من ” حَمْدَة ” مسقط رأس والده ومسكن أجداده الأوائل، حيث لازم فيها الشيخ مظفر الحمدي لفترة ما لكنها لم تشبع نهمه، فغادرها مهاجراً إلى الله ورسوله في طلب العلم سيراً على الأقدام إلى مدينة شهارة -بلاد الأهنوم في لواء حجة-، وهناك تلقى فيضاً من المعارف والعلوم على يد أشهر علمائها -الشيخ المجتهد القاضي عبدالله الشماحي- والذي تعلَّق الفتى به حتى أنَّه لم يفارقه طمعاً في الاستزادة منه حتى وافاه الأجل، حينها فقط غادر شهارة وهو يُكِنُّ ويعلن عن عظيم العرفان والإجلال له ما بقي له من عمر، وقد كان له في شهارة زملاء ممن سطع نجمهم لاحقاً، منهم السيد عبدالملك المتوكل الذي صار نائباً للإمام يحيى في “لواء حجة” ..

وقتها لم يكن ثمة بدائل أفضل أمام الشاب الطموح غير الانتقال إلى مدينة صنعاء التي كانت أشهر مدائن العلوم بين حواضر اليمن-، وفي مدينة ” سام” كانت أحد المنازل التابعة لجامع الخراز محلاً لإقامته، وقد مكَّنه قرب السكن من حضور كل حلقات الدرس المقامة في المسجد إياه، وبعزيمة وإصرار لم يتوقف الشاب حتى أنهى دراسته (الاكاديمية)، ليحصل بعدها على “الإجازة” في القضاء من الإمام يحيى، منتقلاً بذلك من رحاب العلم والتلقي إلى أروقة العمل والعطاء، وكان من زملائه في صنعاء السيد عبدالله الوزير المولود في 1301 هجرية، والذي أصبح نائباً للإمام يحيى في الحديدة قبل أن يتزعم الانقلاب عليه، ويعلن نفسه إماماً في فبراير 1948م وهي التي انتهت باعدامه من قبل ولي العهد أحمد بن يحيى وتقويض ” الحركة الدستورية “.

عرف القاضي محمد صالح الحمدي بالتقى والورع كما اشتهر بعدالة أحكامه ودقتها، فكان ممن جعل القضاء سلطاناً على السلطان، وقد بلغت جرأته مبلغاً حصد من خلاله إحترام المحكومين والحكام سواء بسواء، وعلى الأقل لدينا ثمة وقائع شهيرة نوردها على سبيل المثال لا الحصر، فقد حدث مرة أن غرق الأمير سيف الإسلام محمد -نجل الإمام يحيى ونائبه في الحديدة- في الكثيب وهو يحاول إنقاذ صديقه البهكلي (1934م)، فعين الإمام نجله الآخر الأمير سيف الإسلام عبدالله بديلاً له، وكان بذمة الأمير المتوفي مديونية كبيرة لتجار الحديدة ومنهم الشيخ علي محمد الجبلي، وترتب على موته مخاطر ضياع أموال التجار لعدم استجابة الخلف لمطالبهم، وكان عمل القاضي حينها في مدينة الحديدة، فتقدم التجار إليه بدعواهم، فلم يتردد في إصدار حكم يلزم الإمام يحيى بموجبه دفع مبلغ سبعين ألف ريال للشاكين، وقد قبل الإمام الحكم ونفذه.

كما أصدر القاضي نفسه حكماً آخر ضد الإمام يحيى لمصلحة مواطن من آنس، وتم تنفيذ الحكم أيضاً..

أما أكثر أحكامه جرأة فكان ضد الإمام أحمد، ومن المعلوم أن الأخير تولى السلطة خلفاً لوالده بمجرد تمكنه من إخماد “حركة 48” حيث تم وقتها اختيار القاضي محمد الحمدي لإجراء قسمة تركة الإمام يحيى بين ورثته، واختيار رجلنا دون غيره لمهمة الفصل بين أفراد الأسرة الحاكمة نفسها لهو دليل قاطع وحاسم على مدى التفوق المهني والأخلاقي ومقدار تميزه عن بقية مجايليه، وحدث أن ادعى السيد محمد بن علي زبارة -وكيل الإمام أحمد في المقاسمة- أن موكلَه شريكٌ لوالده في الكسب، كما طالب بحق موكله بالــ “كُبَّارِة” (أي نصيب أكبر من حقه الشرعي كوريث، وهي عادة كانت معروفة في اليمن حينها، حيث يتم من خلالها التحايل على الورثة لمصلحة عاقل أو كبير الأسرة)، غير أن القاضي رفض الدعوى، وحكم بعدم أحقية المدعي -الإمام أحمد- فيما زعمه وكيله من حق بالشراكة في الكسب أو بالكبارة، وتمت القسمة وفقاً للانصبة الشرعية فعلاً، وقد سطر الإمام أحمد يومها بخط يده وتوقيعه وختمه امتثاله وقبوله الحكم في وثيقة حررها بتاريخ 1950 م وسلمها للقاضي الحمدي، وتحتفظ أسرة القاضي بالوثيقة ضمن إرشيفها.

تقلَّد القاضي محمد صالح الحمدي العديد من المناصب الرفيعة -في سلك القضاء -بدرجة رئيسية- في عشر مناطق ومدن يمنية، وظل يزاول الوظيفة العامة من بداية الحقبة المتوكلية إلى نهايتها، وإن كان نجله إبراهيم من غدا يزاولها فعلياً بالنيابة في آخر المطاف، إلا أن الوالد كان هو الحاكم القضائي على مدينة ذمار رسمياً حتى يوم اندلاع ثورة سبتمبر التي سلبته وظيفته، كما نزعت العمامة عن رأس ولده إبراهيم، غير أن الأيام أثبتت أنها كانت تحتفظ للحمدي الصغير بوظيفة أهم، وظيفة لا تقل إنشاً واحداً عن درجة رئيس جمهورية ..

* المراجع التاريخية والمصادر سيتم إيرادها في آخر الحلقات .
* الحقوق محفوظة للكاتب ويجب الإشارة إليه كمصدر عند النقل او الاقتباس

✍ سليمان السقاف
3 اكتوبر 2018

الذكرى الـــ 41 لجريمة اغتيال مستقبل اليمن

اترك رد