الرئيس الأسطورة

0 397

الحلقة الثالثة

كَانَتْ أَوَّلُ وَظِيْفَةٍ تَقَلَّدَهَا القَاضِي مُحَمَّد صَالِح الحَمدِي -بِقَرَارٍ مِنْ الإِمَامِ يَحْيَى- هِيَ وَظِيْفَةُ “حَاكِمْ” (عَامِل) عَلَى مِنْطَقَةِ السّودَةِ (جَبْل عِيَال يَزِيْد)، وَأشك أنْ يَكُونَ حَدَثَ ذَلِكَ قَبْل عَامِ 1918م، لأَنَّهُ يَسْبِقُ قِيَامَ المَمْلَكَةِ المُتَوَكِّلِيَّةِ، وَعُمُوْمَاً نَسْتَطِيْعُ الجَزَمَ هنَا -عَلَى الأَقَلِّ- أنَّ مَسِيْرَةَ القَاضِي الحَمدِي المِهَنِّيَةِ لا تَقِلُّ عَنْ خَمْسَةِ وأرْبَعِيْن عَامَاً غَطَّتْ العَهْدَ المُتوَكِّلِي بالكَامِلِ عَمِلَ خِلَالهَا إمَّا ” حَاكِمَاً ” أوْ” حَاكِمَاً قَضَائِيَّاً “، وَهِيَ بِحَسَبِ التَرْتِيْبِ الزَّمَنِي كالتَّالِي :
مِنْطَقَة السّودَة، مَدِينَة إِب، مَدِيْنَة الحُدَيْدَة، مَدِيْنَة بَيْت الفَقِيْه، مَدِيْنَة اللُُحََيَّة، مَدِيْنَة قَعْطَبَة، ضَوْرَان آنِس، بَنِي مَطِر، مَدِيْنِة الطَّوِيْلَة، وَأخِيْرِاً مَدِيْنَة ذَمَار)، وَمِن المُؤَكَّدِ أنَّ وَظَائِفَ مَرْمُوقَة كَهذِهِ -غَالِبَاً- مَا تَمْنَحُ صَاحِبَهَا قَدْرَاً مِن المَقَامِ والحَيَاةِ الكَرِيْمَةِ، لكِنَّ السُّمْعَةَ العَطِرَة لا يَصْنَعَها سِوَى الشَّخْص نَفْسه كَمَا هُوَ الحَال مَعَ القَاضِي مُحَمَّد صَالِح الحَمدِي، وهُوَ مَنْ ذَكَرْنَا، وفِي ظِلِّ التّرْحَالِ المُتَكَرِّرِ لهُ كَانَ لكُلِّ ذَلكَ تَأثِيْرُه المُبَاشِر فِي زِيَادَةِ شُهْرَتِهِ عَلَى أنْطِقَةٍ أوْسَع مِن جِهَةِ، ومِن جَهَةٍ أخْرَى تَأثِيْرَاتها عَلَى مُجْرَيَاتِ وتَفَاصِيْلِ حَيَاتِهِ الخَاصَّةِ ..

كَانَ مِنْ عَادَةِ المُجْتَمَعِ فِيْ ذَلكَ الزَّمَان أنْ تَتنافسَ كُبْرَيات الأُُسَرِ على شَرفِ مُصاهَرةِ ذوي الجَاهِ والنُفوذ أحياناً بدافع مصلحة أو اِبتغاءً للفََخْرِِ غَالِبَاً (أو كِليْهِمَا)، وكَانَتْ تلك العادة متأصلة برغْمِ أنَّ النَجاحَ لا يُحالفُ عادة زيجات تتمّْ لأجْلِِ أنْ يتحدَّثَ النَّاسُ عنْهاُ فَقَطْ، ويضْطرُّ فيْهَا الزَّوجُ تحتَ الإلحاحِ للموافقةِ على العرضِ منْ بابِ اللياقةِ التي تلزمُهُ حفظَ كرامةَِ ومقامِ أهلِ المرأةِ، ومَا يهمُّنا هنا أنَّ أغلبُ زِيْجاتِ القاضي مُحَمَّد صَالِح الحَمْدي (والد الرئيس الحَمْدِي) -الَّذي كانَ موضعُ احترامِ وإجلالِ الناسِ فيْ كلِّ منطقةٍ انتقلَ إليها- ضِمنَ هَذا السِّياقِ، فقَدْ زُفَّتْ إليهِ تسعُ نِساءٍ خلال حياتِهِ ومع ذلك لم تتبقََّ على ذمَّتِهِ منهُن غيرُ زوجةٍ واحدةٍ حين وافاهُ الأجل عام -1383 هجرية- هي مَيْمُونَة عبدالفتَّاح الخَطِيْب (والدة الرئيس ابْرَاهِيْم الحَمْدي وكَذَا أشقَّائِهِ عَبدَالرَّحْمَن وصَفِيَّة وكَرِيمة) ..

وباستثناءِ مَيْمُوْنَة فقد غادرَتْ ثمانُ زوجاتٍ عُشَّ الزوجيَّةِ إمََّا بسببِِ الوفاةِ أو نتيجة الطلاق (أيهما أسبق)، النصفُ منْ ذلكَ فارقْنَه دون أنْ ينجبنَ له، أما بالنِّسبةِ لأمَّهاتِ أولادِهِ فكانت الوفاة قدرَ زوجتِهِ فَاطِمَة الحَمْدِي من أهالي “حَمْدَة” (محافظة عمران حالياً)، حيثُ فارقتْ الحياةَ وهي على ذمَّةِ زوجها بعْد ستَّة أشْهُر من إنجابِِهَا ولدهَا الوحيدِ مُحَمَّد (عميد الأسرةِ حَالياً)، بَينما شَملَ الطَّلاقُ كلٌّ مِن فاطمةِ نجاد منْ أهالي ضَحْيَان خَارِف- (محافظة عَمْرَان حالياً) وهي أمُِّ نجلِهِ البكر عبْدالوهَّاب، وكذلك زوجته سَيِّدة بنت عبدالرَّب الشَّعِرِي وهيَ منْ أهَالِي السَّحُوْلِ فيْ إِب، وأخوالُهَا منْ تَعِز، سَيِّدَةُ والدةُُ كلٍّ من يحيى وأحمد وعلي ونُوْرِيَة وتقيَّة، إُضافةً إلى ذلك طلق القَاضِي -أَيْضَاً- فاطمة الشهاري، وهي منْ بَيتِ الفَقِيْهِ بتَهَامَةِ، وأخوالُهَا منْ الزَرَانِيْقِ، والأخِيْرةُ تكونُ وَالِدَةُُ (القائد)عَبْداللَّه الحَمدِي الَّذي وُلِدَ فِيْ 1357هجرية/ 1938م فِيْ بَيْتِ الفَقِيْه نَفْسهَا، وَهِيَ مَدِيْنَة تهَامِيَّة بَلَغَ تِعْدَادُ سُكَّانِهَا حَوَالِي أَرْبَعُون ألْف (2004م)، وَتعدَُّ حَاليَّاً مَرْكِزُ مُدِيْرِيَّة بَيْت الفَقِيْه الَّتِي تَتْبَعُ مُحَافَظَةَ الحُدَيْدَة، واَنَشئتْ سَنَة 650 هجرية عَلَى يَدِ مُؤَسِّسِهَا الفَقِيْه أَحْمَد بن مُوْسَى بن عجيْل الَّذِي أَخَذَت عَنْهُ المَدِيْنَةُ اسْمَهَا ..

كَانَتْ عَائلَِةُ القَاضِي مُحَمَّد صَالِح الحَمدِي ضِمْن الطَبَقَة المُتَوسِّطَة بِحَسَبِ مَعَايِيْر العَصْرِ المُتَوَكِّلِي بحُكْمِ وَظِيْفَة الرَّجُل، وعَادةً مَا يَكُونُ أَبْنَاءُ هَذِهِ الطَّبَقَة أكْثَر قَابِلِيَّة للتَّمَدُّن وأشَدُّ طَلَبَا للتغْيُيْرِ، إِضْافَة إلََى ذَلكَ فبالرّغمِ من فشل أكثر الزيجات فقد صَنَعَ التَّعَدُّدَ والتَنَوُعَ فِيْ الزَّوْجَاتِ مِن العَائلِةِ الكَبِيرة وطَنَاً صَغِيْراً يَعِيشُ،تَحت سَقْفٍ وَاحِدٍ تَعايَشَت فِيْ ظِلِّهِ الثَّقافَات المُخْتَلِفَة، وانْصَهَرَتْ مَعَاً بَأرْيَحِيَّةِ لِتُعْطِي أُنْمُوذجاً حَيَّاً وَتَجْسِيْدَاً حَقِيْقِيَّاً للوَحْدَةِ الوَطَنِّيَةِ، فَكانَ لهَذِهِ البِيْئة وَظُرُوفها التَّأثِيْر عَلَى نَشأةِ وتَكْوِيْنِ أبْنَاءِ القَاضِي وإِثْرَاءِ شَخْصِيَّاتِهِم ..

لَيْسَ دائماً وَرَاء حَالَاتِ الطَّلَاقِ تِلك أسْبَاباً اعتيادية بالضرورة، فعَلِى الأقَلِّ حَدَثَ مرَّة حِينما كانَ القاضِي الحَمْدِي حَاكمَاً قَضَائيَّاً على مدينة قعطبة أنْ طلَّق َابنة التَّاجر الرُوَيْشَان بعد وقت وجيزٍ من زواجه بها، ووقع ذلك فور أن تناهى إليه أن ثمة من يغمز إلى وجودِ مطامعٍ وراء زواجِهِ من ابنةِ الرجلِ الثري، خُصوصاً أنَّ الأخيرَ كان يديرُ تجارتَهُ من مدينةِ قَعْطَبَة التي كانت أحدَ مَنفذَين تجارييَّن شمالييَّن حينها معَ جنوُبِ الوطنِ الواقع تَحت سُلطةِ الاحتلال البريطاني، ولَمْ يكُنْ أمَامَ القاضي فُسْحَةَ المُخَاطَرةِ بسُمعتِهِ ومكانتِهِ حتى يتَجنُّبِ اللجُوءِ إلَى خيارِ الطَّلاق، وبالرغْمِ من احْتجاجِ صِهرِهِ ومُحَاولاتِ إثنائه القاضي فقد اعتذرَ الأخيرُ أيَّما إعتِذَار عَنْ اضطرارِه إلَى فَكِّ الارتباطِ، وتُُعدُّ إبنة الرُوَيْشَان ثَانِي زوجةٍ لَهُ من أصلِ ثلاث (في قَعْطَبَة وحدها)، وقدْ كانَتْ أوْلِى القَعْطَبيات من بَيْتِ الهَرَّاشِ غيْرَ أنَّ علاقتُهُمَا لمْ تتعمَّرْ طَوِيْلاً، أمَّا الثَّالثَة فهِيَ مَيْمُوْنَةُ (أمُّ إِبْرَاهِيْمِ) ..

ولحكمةٍ إلهيةٍ اختارتْ الأقدارُ مَدِينَةَِ قَعْطَبَة تَحْديدَاٍ كَمَكانٍٍ لالتقاءِ (بطليْنِا) الصغيريْن لأوَّل مرَّة، فبعْد مولدِ إِبْرَاهِيْم بِنحوِ العامٍ انضمَّ إِليهم أخاه عبدالله ذو السَّابعة قاَدِمَاً مِنْ بَيتِ الفقيه بِصُحْبَةِ والدتِهِ (المطلقة)، ثم غادرَ الجميعُ قَعْطَبَة بعدَهَا إلى “ضَوْرَان آنِس” برفقةِ الوالدِ، وهِيَ مِنْطقةٌ مَعْروفَةٌ بِجِبَالِهَا ووِدْيَانِهَا الكَثِيرَة، وتَتْبَعُ مُحافظَةَ ذَمَار حَالِيَّا، ويُمْكِنُنَا القُول َ بيقين أنَّ بِدَايةَ صِناعةَ القَائِدَين كَانَتْ فِيْ “ضَوْرَان آَنِس” ..

وفيْ أوَّلِ حِصَّةٍ دراسيَّةٍ لهُ علَى يَدِ أبيهِ كانَ (العِمْلاقُ) الصَغِيرُ عبداللَّه يُمْسِكُ ذات المصحفِ الَّذي حَوَى بإحدىِ دفَّتَيْه مَا يُمكنُ تَسمِيَته مجَازاٍ بِشَهادةِ مِيلادٍ، هُوَ مُجَرَّد تَنويْه بسيطِ بخطِّ والدِهِ دوَّنَ فيْه -دُونَ أنْ يَدْرِي- تاريخاً صَنَعَ التاريخَ، فكان الأربعاء “25 رجب 1362 هجرية “(الموافق 28 يوليو 1943م) يَومُ تمخضت فيه مَيْمُوْنَة بِمَنْ يُطلِْقْ عَلَيْه اليَمَنِيُّون لقَبَ “الأُسْطُورةِ”، ويدْعْونه باسْمُ ” ِإبْراهِيْم مُحَمَّد الحَمْدِي” ..

* الحقوق محفوظة للكاتب ويجب الاشارة إليه عند النقل أو الاقتباس.
* المراجع والمصادر في آخر الحلقات
✍ سليمان السقاف
4 اكتوبر / تشرين أول 2018
الذكرى الــ 41 لجريمة اغتيال اليمن 11 اكتوبر 77م

اترك رد