الرئيس الحمدي يسبب الصداع لفرنسا ويمنح الإستقلال لجمهورية جيبوتي

0 141

سليمان السقاف

البداية كانت في أحداث شغب وقعت في جيبوتي ( 4 فبراير 1976م) استدعت على إثرها وزارة الخارجية اليمنية في حكومة 13 يونيو القائم بالاعمال الفرنسي في صنعاء (5 فبراير) بحكم ان جيبوتي كانت تحت الوصاية الفرنسية ولم تستقل بعد، وأبلغته احتجاج “الجمهورية العربية اليمنية” وقلقها على مصير مواطنيها، وطلبت نقل ذلك إلى الجهة الفرنسية المختصة في جيبوتي لسرعة التحقيق فيما يلاقيه اليمنيون هناك من نهب للممتلكات واعتداء على الأرواح من قبل عناصر الشغب ومسؤوليتها في المحافظة على أمن وسلامة المواطنين اليمنيين من الخطر ..

وقعت السلطات الفرنسية في جيبوتي تحت طائلة الحرج لعدم تمكنها من ايقاف أحداث الشغب، واتهمت الصومال بالوقوف وراء الأحداث التي تقوم بها قبائل ذات أصول صومالية ضد ذوي الأصول العربية (الاكثرية يمنيون) في سياق اجتجاجاتها ضد الوجود الفرنسي، عندها استدعت الخارجية اليمنية السفير الصومالي في صنعاء بتاريخ 7 فبراير وطلبت منه إبلاغ حكومته بذل مساعيها لما يكفل سلامة الجالية اليمنية..
بينما اندفعت فرنسا خلال الأيام التالية إلى تعزيز أسطولها في المحيط الهندي بهدف الضغط على الصومال واجبارها على انهاء الشغب، غير أن هذا الإجراء قوبل هو الآخر برفض الرئيس الحمدي، حيث أبلغ الحكومة الفرنسية-من خلال الخارجية اليمنية- أن وجود اساطيل حربية للدول الكبرى في المحيط الهندي أمر مرفوض، وأن هذه البحار يجب أن تظل خالية منها وبمنأى عن صراع القوى من خارج المنطقة خدمة لأمن وسلامة بلدانها .. (*)

استمر الرئيس إبراهيم الحمدي في إحراج الحكومة الفرنسية بخصوص أحداث جيبوتي ليتجاوز مشكلة الجالية اليمنية مطالباً فرنسا منح الساحل الصومالي “جيبوتي” الاستقلال، كما رفع من وتيرة الأداء بالتحرك الاقليمي بين دول البحر الأحمر حتى نجح في عقد قمة شملت اليمن و السودان والصومال -عقدت في تعز 27 مارس 1977م- وتمخضت عن تأكيدها على رفض التواجد العسكري في الممر الملاحي الدولي من قبل القوى الخارجية وفي مقدمتها فرنسا، كما تبنت القمة مطالب الرئيس إبراهيم محمد الحمدي فطالبت القمة فرنسا منح جيبوتي الاستقلال، وبذلك رفع الرئيس الحمدي مستوى الضغوط إلى حده الأعلى، ونجحت الجهود فعلاً بمرور ثلاثة أشهر فحسب ونالت جيبوتي الاستقلال في 27 يونيو 77م، وتؤكد مصادر عربية عدة أن الرئيس الحمدي كان سبباً مباشراً في منح جيبوتي الاستقلال أو السبب الأساسي في استقلالها في أقل الأحوال. (منها كتاب دراسات أفريقية/الهامش)

برغم ذلك انعكست مواقفه إيجاباً فاستحوذ الرئيس ابراهيم الحمدي على إعجاب واهتمام السلطات الفرنسية، وتعززت العلاقات اليمنية الفرنسية بشكل غير مسبوق، وكذلك برغم أن مواقفه المعارضة للهيمنة الفرنسية كانت قد تجاوزت جيبوتي وامتدت حتى لبنان حيث كان الرئيس الحمدي قد انتزع قراراً من القمة العربية للتدخل العربي عسكرياً في لبنان بناء على مقترح منه، وفي هذا السياق جاء بيان الخارجية اليمنية في 21 يونيو 1976م الرافض للتدخل الفرنسي والأمريكي في لبنان، والذي طلب من البعثات اليمنية والجامعة العربية تحذير باريس وواشنطن من مغبة التدخل في الشأن اللبناني (**)

حدث كل ذلك بينما كانت السفينة الفرنسية تبحر باتجاه آخر يخالف سير الأحداث، فقد شاركت باريس في الاحتفال بالذكرى الثالثة لقيام حركة 13 يونيو (1977م) وأرسلت وفداً رسمياً كبيراً للمشاركة فيه على رأسه وزير الدولة لشئون المواصلات الفرنسية، وهي سابقة لم تعرفها اليمن (من قبل دولة عظمى على الأقل) ، بينما كان اختيار ذكرى الحركة التصحيحية تحديداً له مغزى واضح (***)، وبعد ثلاثة أسابيع فقط منه استقبل الرئيس الفرنسي (جيسكار فاليري ديستان) بنفسه في مطار أورلى بباريس فخامة الرئيس ابراهيم الحمدي ليكسر بذلك البرتوكولات الفرنسية المعتادة التي تقضي باستقبال الرؤساء الضيوف في قصر الأليزيه فقط في سابقة أكثر إدهاشاً ..

وفي إستراحة المطار قال الرئيس ديستان موجهاً كلامه للرئيس الحمدي أمام وسائل الإعلام :
” أنَّهُ مِمَّا يَزِيْدُ مِنْ سَعَادَتِي أنَّ تَارِيخَ الرَّابعْ مِنْ يوليُو 1977م سيكونُ مَرْحَلةٌ حاسمةٌ فيْ تَارِيْخِ العِلَاقاتِ بين بلدَينَا، هذِهِ أوَّلُ مرَّة تتشرَّفُ بِهَا فَرَنْسا 🇫🇷 بِاسْتُقبالِكُم رسميَّاً وباستقْبَالِ “الجُمْهُوريَّة العَرَبيَّة اليَمَنيَّة ” من خِلَالِ شَخْصكُُم الكريمُ، وهذِهِ مُنَاسَبَةٌ لفرَنْسَا لِكَيْ تُعبِّرَ فيْها عن احترامِهَا ومودَّتِها للشعبِ اليَمَنِي ولِلْحَضَارةِ الراقيةِ التي شيَّدَها وأقامَها عبْرَ القرونِ “… (****)

وفي زيارة له لبلدية باريس استقبله جاك شيراك عمدة باريس (أصبح رئيساً لفرنسا لاحقاً) والذي أشاد به في كلمته قائلاً: ” لقَدْ نجَحْتُم بِحِكْمةٍ بالغَةٍ في الحَفَاظِ عَلَى بَلدِكُم وَفِي قيَادةِ دولتِكُم عَلََى طريقِ التَّنميَةِ دونَ الإذعانِ لِمُحاولاتِ بَسطِ الهيْمنةِ الَّتي تعرَّضْتُم لَهَا.

وفي موتمر صحفي سئل الرئيس الحمدي عن الخطة الخمسية فأفاد : ” لقد طرحنا هذه الخطة أمام عدد من الحكومات الشقيقة والصديقة ومن بينها الحكومة الفرنسية في تنفيذها” وحول نتائج الزيارة أتت إجابته لتؤكد بلوغ العلاقات اليمنية – الفرنسية ذروتها : ” أن هذه المباحثان كللت بالنجاح وأن اتفاقاً عاماً وقع بين البلدين “. وأعرب عن اهتمام الجمهورية العربية اليمنية بجعل البحر الاحمر بحيرة سلام وأمن بعيداً عن الصراعات الدولية”. وضمن الكثير من مجالات التعاون بين البلدين تجدر الإشارة إلى تكفل فرنسا بانشاء ” المحطة العلمية لرصد الزلازل” في اليمن، والتي يعتقد أنها كانت تشمل استخدامات علمية أخرى لم يكشف عنها، كما وصلت رابع طائرة بوينج 727 لتنضم لاسطول طيران ” اليمنية” خلال عشرة أيام من زيارته ..

أما البيان المشترك لمحادثاته مع الرئيس ديستان فيشهد على علو كعب السياسة الخارجية للرئيس الحمدي حيث جاء لــ “يؤكد على احترام مبادئ السيادة ووحدة الأراضي وعدم التدخل وعدم اللجوء إلى التهديد واستخدام القوة”، بينما أعرب الرئيس اليمني عن اغتباطه بحصول جيبوتي على على استقلالها (قبل أسبوع من تاريخه)، ورغبة اليمن بإقامة تعاون مثمر مع هذه الدولة العربية الجديدة .. الدولة التي منحها إبراهيم بيده حقها في الاستقلال والحرية ..

تنويه: قام الرئيس ابراهيم الحمدي بتسليم الهدايا التي حصل عليها في فرنسا ثم من الرئيس الحبيب بورقيبة في تونس للمتحف الوطني يوم الثلاثاء 12 يوليو ونشر الخبر في الصحف الرسمية..

صحيفة 📰 الثورة الرسمية الصادرة بتاريخ:
(*) من 4 فبراير-11 فبراير 1976م
(**) 21 يونيو 1976م
(***) 13-14 يونيو 1977م
(****) 5-7 يوليو 1977م
كتاب دراسات أفريقية في التاريخ المعاصر / رأفت غنيمي الشيخ صفحة 249-250

اترك رد