الفدرالية – الإقتصاد ..” التنمية بأنواعها وصولاً للتنمية المستدامة ” 53

0 179

د. علي العسلي

لقد أصبح من الواضح عدم قدرة نظام الزراعة المكثفة على الاستمرار في الإنتاج الزراعي بنفس المعدلات العالية وفي الوفاء باحتياجات الناس من الغذاء السليم بالإضافة إلى صعوبة الاستمرار في توفير متطلبات هذا النظام الزراعي المكثف والمكلف مادياً وبيئياً. ولقد دفعت تلك العوامل العلماء إلى التفكير في نظام زراعي متوازن يكفل الوفاء بمتطلبات الأجيال الحالية والمستقبلية .. في أحقية الحصول على الغذاء الصحي والبيئة النقية والموارد الطبيعية المصانة و المنتجة.. ومن هنا نشاء الاهتمام بالتنمية الزراعية المستدامة التي أصبحت الآن تمثل محوراً جوهرياً في السياسة الزراعية للعديد من الدول.. ويرى البعض أن الزراعة المستدامة انبثقت من مفهوم الزراعة العضوية التي بدأت في عام 1940م. غير أن المتخصصين في هذا المجال يعتقدون أن الزراعة المستدامة أوسع مجالاً من مصطلح الزراعة العضوية “الذي يعنى باستخدام المدخلات العضوية والمكافحة الحيوية في الزراعة”. بينما يتجاوز مفهوم الزراعة المستدامة الاقتصار على استخدام المواد العضوية في الزراعة إلى العناية بنظام الزراعة الشامل ” الذي يحقق إنتاج زراعي صحي وكافي للمستهلكين ، ومربح للمنتجين مع ضرورة أن تكون العمليات الزراعية المستخدمة غير ضارة بالبيئة ومقبولة اجتماعياً “. ومثل هذا النظام الزراعي الشامل تتداخل فيه العديد من العلوم الزراعية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية.. إن مفهوم التنمية المستدامة كما يتداول في العالم وبأكثر من تعريف على التنمية الزراعية المستدامة ، إذ يهتم المعنيُّ بالبعد الاقتصادي باستدامة الحصول على العوائد المالية من الزراعة؛ في حين أن المعنيُّ بالبيئة؛ يهتم بالمحافظة عليها وعلى تقليل ضرر النشاط الزراعي على الموارد الطبيعية وحفظ حقوق الأجيال المستقبلية في استثمارها؛ بينما يرى المهتم بسلامة الغذاء بوجوب الحرص على إنتاج غذاء صحي للمستهلكين؛ وهكذا تختلف درجة تركيز التعريف على أي من هذه المحاور حسب اهتمام وطبيعة الخلفية العلمية للمعرِّف. ويُعدُّ عدم الاتفاق على تعريف محدد من ضمن المشكلات أو الصعوبات التي تواجه المتخصصين في الزراعة المستدامة. ولكن يمكن استعراض التعريف الخاص بمنظمة الاغذية والزراعة (الفاو) الذي ينص على أن الزراعة المستدامة تعني ” إدارة وصيانة قاعدة الموارد الطبيعية والتهيئة إلى التغيير التقني والمؤسسي بما يضمن تحقيق الاحتياجات الانسانية وبصورة مستمرة للأجيال الحالية والمستقبلية ، وهذه التنمية الزراعية المستدامة في قطاعات الزراعة، والغابات، والاسماك، تصون الارض والمياه و التنوع الوراثي للنبات والحيوان كما انها غير ضارة بيئياً ومناسبة فنياً وقابلة للتطبيق اقتصادياً ومقبولة اجتماعيا”..وبشكل عام ومبسط تسعى الزراعة المستدامة إلى إنتاج غذاء صحي وكافي من خلال الاستخدام الحكيم والرشيد للموارد الطبيعية وتحقيق التوازن بين الإنتاج الزراعي والمحافظة على الموارد الطبيعية، حيث تسعى التنمية المستدامة للتموين الغذائي الى رفع الإنتاجية الزراعية والإنتاج من أجل تحقيق الأمن الغذائي المحلي والتصدير، وتحسين الإنتاجية وربحية الاستثمارات الصغيرة، وضمان الأمن الغذائي المنزلي، مع ضمان الاستخدام الامثل والحفاظ على الأراضي والغابات والمياه والحياة البرية والأسماك وموارد المياه..أمّا عند الحديث على مجالات الزراعة المستدامة: _ تعد الزراعة المستدامة نظاماً زراعياً شاملاً يستخدم فيه العديد من تطبيقات العلوم الزراعية. فالزراعة المستدامة على سبيل المثال تعنى باستخدام التقنيات الخاصة بالمحافظة على التربة الزراعية وحمايتها من التعرية والانجراف عبر الاستفادة من مصدات الرياح ، والزراعة المختلطة مع أشجار الغابات، ونظم الزراعة بدون حرث، وتقليل استخدام المعدات الثقيلة في إعداد التربة للزراعة ، وزيادة خصوبة التربة بالطرق الطبيعية كالتسميد العضوي والحيوي، وإتباع الدورات الزراعية. كما تهتم الزراعة المستدامة بمجالات مكافحة الآفات الزراعية والأمراض النباتية بالطرق الحيوية والطبيعية كاستخدام بعض الحشرات التي تتغذى على بعض المسببات المرضية، واستخدام الدورات الزراعية (زراعة مجموعة محاصيل متعاقبة في نفس الأرض لزيادة خصوبة التربة وللحد من انتشار الأمراض وتقليل معدلات الإصابة لغياب العائل الرئيس). بالإضافة إلى زراعة المحاصيل المقاومة للأمراض والاستفادة من تطبيقات علوم الهندسة الوراثية والتحسين الوراثي. و تعد المحافظة على الموارد الطبيعية مثل المياه من أهم المجالات التي تسعى الزراعة المستدامة إلى المحافظة عليها وترشيد استخدامها وحمايتها من التلوث ، وذلك لأن الماء عامل محدد لوجود الزراعة ولأهميته العظيمة في حياة وفي سقيا الإنسان والحيوان وري النبات ، فهو قوام الحياة وعنصرها الحيوي. ولذا تسعى الزراعة المستدامة إلى الاستفادة من تقنيات وتطبيقات العلوم الزراعية والبيئية المتعلقة بتصميم واستخدام نظم الري الحديثة المرشدة لعمليات الري و ربطها بالاحتياجات الفعلية للمحاصيل واستخدام المحاصيل قليلة الاحتياجات المائية مع الاستفادة من التقنيات الحديثة في التحكم في بيئة النبات كأساليب الزراعة في البيوت المحمية و زراعة المحاصيل النباتية في المناطق الجغرافية الملائمة لمتطلبات المحاصيل المناخية لضمان الحصول على معدلات إنتاج عالية باستخدام مساحات زراعية قليلة و موارد إنتاج محدودة. ومن المجالات الهامة في تطبيقات نظم الزراعة المستدامة ايضاً تحسين طرق التسويق الزراعي والإدارة المزرعية لضمان حصول المزارعين على عائد مجزي من العمل الزراعي ،لكي يكون محفزاً له ويستطيع الاستمرار في النشاط الزراعي. كما أن العلوم المتعلقة بإرشاد المزارعين و تدريبهم على استخدام التقنيات الخاصة بالزراعة المستدامة ومعرفة العوامل المحددة لتقبل وتبني المزارعين لتلك التقنيات تُعد من أهم محاور الزراعة المستدامة. ولهذا تتعالى الأصوات بضرورة تقديم الأجهزة الإرشادية في دول العالم لبرامج إرشادية للمزارعين في مجال الزراعة المستدام

اترك رد