الفيدرالية – الإقتصاد – توزيع الثروة _ الإيرادات وفق مسودة الدستور المنجزة (28)

0 315

د. علي مهيوب العسلي

اختتمنا الحديث في المقال السابق ،بالإشارة إلى مسودة الدستور وسننظر هل راعت تلك المسودة الاختلافات الحاصلة في الدول الفيدرالية ، فعالجتها بنصوص دستورية أم لا ؟! وبالعودة إلى مؤتمر الحوار الوطني ونتائجه ،والذي ترك نسب توزيع العائد من الثروات الطبيعية وإيرادات الضرائب والجمارك والزكاة، وغيرها من موارد تُحصّل بين المركز والإقليم من غير حسم. وبالرجوع لقوائم الاختصاصات في الانظمة الفيدرالية ولمسودة الدستور اليمني الاتحادي الجديد والتي سبق وأن اشرنا إليها تفصيلا، غير أننا هنا معنيين بالتركيز على توزيع الثروة وحق تنظيم الموازنة العامة للدولة ..حيث جاء في المادة (17) أن الثروات الطبيعية بكافة أنواعها ومصادر الطاقة الموجودة في باطن ا لأرض أو فوقها أو في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة أو الجرف القاري ملك للشعب، وتكفل الدولة الحفاظ عليها وحسن إدارتها واستغلالها واستثمارها لتحقيق المصالح العامة وتوزيع عائداتها بين مستويات الحكم بصورة عادلة ومنصفة وفقاً لهذا الدستور، مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها. بينما نجد أن المادة (357) تناولت تقسيم الثروات الوطنية؛ حيث أشارت ؛ تقسم الإيرادات الوطنية المقدرة سنوياً بموجب قانون تقسيم الايرادات على الحكومات الاتحادية والإقليمية والولايات والمديريات ومدينتي صنعاء وعدن وفقا للمعايير الآتية: أ. التقسيم العادل والمنصف للإيرادات الوطنية بين مستويات الحكم. ب. المصلحة الوطنية. ج. مواجهة الدين الوطني وأي التزامات وطنية أخرى. د. مسئوليات واحتياجات الحكومات الاتحادية والإقليمية والولايات والمديريات ومدينتي صنعاء وعدن والتي يتم تحديدها بموجب معايير موضوعية. ه. القدرات المالية لحكومات الأقاليم والولايات والمديريات. و. تقليص التفاوت الاقتصادي بين الأقاليم وفي إطار كل إقليم والولايات والمديريات بهدف خلق فرص متساوية. ز. مسئوليات الأقاليم والولايات والمديريات المنتجة لدعم التنمية الاقتصادية وبصفة خاصة مسئوليات استغلال واستخراج الموارد الطبيعية. ح. التزامات الأقاليم والولايات والمديريات بموجب القوانين الاتحادية. ط. تحقيق الاستقرار وقابلية التنبؤ في تخصيص الحصص من الإيرادات. ي. المرونة للاستجابة لحالات الطوارئ الإنسانية أو غيرها من الاحتياجات المؤقتة. ك. حصص عائدات الموارد الطبيعية بما فيها النفط والغاز وفقاً لأحكام القانون. 2. يتضمن قانون تقسيم الايرادات ما يلي: أ. تحديد الحصص العادلة لكلِ من حكومات الاتحاد والأقاليم والولايات والمديريات ومدينتي صنعاء وعدن. ب. تحديد الحصة العادلة لكل إقليم من حصة الأقاليم. ج. تحديد الحصة العادلة لكل ولاية من حصة الولايات. د. تحديد الحصة العادلة لكل مديرية من حصة المديريات. ه. تحديد الحصة العادلة لكل من مدينتي صنعاء وعدن. 3. يجب أن يتضمن قانون تقسيم ا لإيرادات جدول مدفوعات للتحويلات من صندوق الإيرادات الوطنية للعام المالي الجديد. 4. يرحل أي فائض في صندوق الإيرادات الوطني في نهاية السنة المالية إلى السنة المالية التالية..؛ ويمكن تسجيل ملاحظات أولية وعلى النحو الآتي : _ أن مسودة الدستور قد وضعت مرتكزات للاقتصاد والادارة المالية بناء على تحديد مستويات وشكل الفيدرالية السياسية والادارية والتي وزعت إلى ثلاث مستويات (حكومة مركزية” حكومة اتحادية” ،وأقاليم، و ولايات). _ إن إدارة وتنمية الموارد الطبيعية جاءت ضمن سلطات ومهام ومسؤوليات الحكومة المركزية وبالتشارك مع الاقاليم والولايات المنتجة ؛ لكنها لم تحدد طبيعة التشارك ،والأمر ذاته عند الحديث عن الأقاليم التشارك مع المركز والولايات ،أما عند الحديث على سلطات ومسؤوليات الولايات فجاءت العبارة ” تتولى الولايات المنتجة إدارة وتنمية الموارد الطبيعية منها النفط والغاز وبما في ذلك منح عقود الاستكشاف والتطوير” وهذه العبارة تحتاج الى توضيح أو تعديل، لأنها قد تحمل جدلا وتفسيرات وتأويلات واختلافات ..!. _ أما اذا انتقلنا الى تنظيم عقود الخدمات المحلية لم تأتي حصرية أو تشاركية ..؛ وانما جاءت على هيئة تنسيق بين الاقليم والولايات والمركز..” فمن الذي يتحمل المسؤولية؟” ؛ فعبارة تنسيق غير مفهومة وغير واضحة، لأن الموارد إما أن تكون كاملة أو بالتشارك مع الاقليم.. فإذا كان الغرض هو ابرام العقود في الولاية وهذا يتطلب موافقة الاقليم ؛ فما هو المردود الذي سيحصل عليه الاقليم مقابل مسؤوليته فقط في التصديق على العقود المبرمة..؟. _ وعند الحديث على السياسات العامة جاء النص بأن تؤسس هيئة وطنية مستقلة تضم جميع السلطات المعنية على مستوى الولاية والاقليم والحكومة الاتحادية مهمتها تطوير السياسات العامة وتمكين الولايات والأقاليم المنتجة من ادارة الموارد الطبيعية بكفاءة. _ وعند الحديث على توزيع عائدات الموارد الطبيعية جاء النص بالإحالة الى قانون اتحادي ، يحدد القانون الاتحادي والذي يصاغ بالتشاور مع الاقاليم والولايات معايير ومعادلة توزيع عائدات الموارد الطبيعية بما فيه النفط والغاز بطريقة شفافة وعادلة لجميع أبناء الشعب اليمني مع مراعاة حاجات الولايات والاقاليم المنتجة بشكل خاص (فما مقدار هذه الحاجة؟؛ ومن الذي يقرر؟؛وما هي المعايير..؟) وتخصيص نسبة من العائدات للحكومة الاتحادية (كم مقدارها ومقابل ماذا؟) .. _ وعند الحديث عن التنمية الاقتصادية فان النظام الاتحادي يضمن مستوى مقبول من الحياة الكريمة لجميع ابناء الشعب مع التوزيع العادل للثروة الوطنية. وأوكل بالدور الريادي للأقاليم في مسألة التنمية . _وجاءت جباية الضرائب بشكل تشاركي بين المستويات الثلاثة في الحكم. إذاً فإن مفهوم توزيع العائدات على الشعب بالشكل المنصف يحتاج إلى توضيح اجابات لسؤال “كيف؟”..؛ و يحتاج لتعريف الانصاف والى معايير يمكن الرجوع إليها للحكم بتحقق الانصاف . _ كذلك نجد أن المعايير الواردة تفتقد لمعايير مهمة مثل: معيار الكثافة السكانية ومعيار الحرمان الذي أصاب بعض المحافظات والأقاليم التي تضررت من السياسات في السابق ، ومنها مناطق الانتاج (مأرب ، شبوة، وحضرموت)، والمهم في هذا الأمر هو أن هذه المعايير المذكورة دستوريا في مسألة توزيع العائدات يجب أن تؤدي إلى تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة في البلاد. إذاً فعائدات الثروة يجب أن تحقق توازنا تنمويا من دون تمييز في شتى أنحاء البلاد، هذا التوازن في التنمية يصبح المجس الرئيسي والحقيقي لضمان توزيع العائدات بالشكل الذي يضمن تخصيص حصة عادلة للأقاليم والولايات والمديريات تكفي للقيام بأعبائها ومسؤوليتها مع الأخذ بنظر الاعتبار مواردها وحاجاتها ونسبة السكان فيها ، فينبغي الاشارة اليها في الدستور القادم ، وقبل عرضه على الاستفتاء. هذه ضمانة دستورية من اجل السير بشكل متوازن ، يدفع بالطمأنينة إلى نفوس كل اليمنين. _ يفضل أن تتم مناقشة مسودة القانون أو القوانين اجمالاً الواردة في مسودة الدستور والاتفاق على موجهات أو محددات يتم تضمينها كي تقر من قبل المجلس النيابي الاتحادي الجديد الذي سيقر تلك القوانين المنبثقة عن الدستور الجديد، كي يخلق شعوراً لدى عامة اليمنين بعدالة التوزيع. هذه الخطوة تعد احد صمامات الأمان لرفع هواجس الحرمان والحيف المتوقع حصوله من جراء تشكيل الأقاليم، وفي ذات السياق فإن الإسراع في اعداد مسودة لقانون النفط والغاز سيرسم ملامح إدارة الثروة النفطية بالشكل الذي يحقق الاستغلال الأمثل للثروة بمشاركة الحكومة الاتحادية وبمشورة الأقاليم والولايات، قانون يحمل في مضامينه تحقيق الإنصاف والعدالة في التوزيع ، والمهنية في الإدارة لصالح كل الشعب اليمني. _ ومع قيام النظام الفيدرالي الجديد، فان الحكومات الإقليمية يجب وان يكون لها نفوذ مالي يسمح لها بتشكيل السياسات الاقتصادية التي تلبى احتياجات الإقليم وتعود على الأفراد بزيادة الدخل مما يأخذهم إلى السعي وراء تطبيق هذا النظام. أما بدون مصادر إيرادية مستقلة، فان الحكومات الإقليمية ستظل معتمدة على الحكومات المركزية لتمويلها، الأمر الذي يجعل استقلال الأقاليم استقلالا سياسيا أمراً أجوف فارغ المضمون وسيحول دون تطبيق سياستهم التي صنعوها بأنفسهم. وبما أن معظم دخل اليمن من البترول والغاز، لذا فان كل الأقاليم يجب وان يكون لها نصيب من هذا الدخل وإلا فسيؤدى هذا إلى نشوب خلافات على الثروة ، ذلك الأمر الذي قد يتفشى في كل أنحاء البلاد. _ أما عن كيفية توزيع دخل النفط والغاز ، فإن الأقاليم الغنية فيه يجب وان يكون لها النصيب الأكبر من هذا الدخل حيث أنها الأقاليم المنتجة له، ويتسبب إنتاجها للنفط في مشاكل لهم بما في ذلك تدمير البيئة المحلية، وبالتالي فان الفشل في تعويض تلك الأقاليم المنتجة للنفط عن ما تتكبد من عناء قد يتسبب بكل سهولة في ظهور موجات من الغضب والاستياء، والقدر ذاته ينطبق على الأقاليم غير المنتجة للبترول في حالة حرمانها من عائدات البترول .وعلى الرغم من إمكانية إيجاد حل عادل في مسألة السيطرة الإقليمية وتوزيع الثروة إلا أنه يجب أولا إذابة جميع الفروق الاقتصادية بين كل المناطق وهذا ما يحتاج لمرحلة اقتصادية انتقالية قبل سريان الدستور الاتحادي . _ يمكن التأكد من بلوغ هدف التوزيع العادل للثروات في النظام الفيدرالي من خلال إتباع معايير اقتصادية وعلمية في تحديد مستوى الحياة المعيشية والخدمات، إذ تقوم المؤسسات الاقتصادية والمالية بقياس معدل النمو الاقتصادي ونسبة البطالة ومعدل دخل الفرد والقدرة الشرائية في كل محافظة، ويجري اتخاذ الخطوات اللازمة لزيادة أو تقليص هذه المعدلات وفق خطط مرسومة، وعندما تتساوى هذه النسب يمكن إيقاف برامج الأعمار المقترحة ؛ومن ثم البدء بتوزيع الثروات على أسس جديدة يتم فيها الأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين أولهما مكان وجود هذه الثروات ،وثانيهما الإضرار البيئية التي تسببها هذه الثروة جراء استخراجها.. يتبع تعريف الموازنة ومقترحات لموازنات تقديرية تواكب التحول نحو الدولة الفيدرالية..!

اترك رد