الفيدرالية- الديمقراطية – بناء الدولة – الإقتصاد والتنمية المستدامة .. (12)

0 247

د. علي مهيوب العسلي
السلطة القضائية في الدول الفيدرالية: النقطة الثانية:- أساليب تكوين السلطة القضائية في الأنظمة الفيدرالية ..
سأدخل مباشرة إلى موضوع هذا المقال والذي قسمته إلى ثلاث فقرات : – الفقرة الأولى الأساليب المختلفة لتكوين السلطة القضائية في الأنظمة الفيدرالية المقارنة بوجه عام. – الفقرة الثانية سنتناول الأسلوب المتبع في النظام الفيدرالي اليمني ومدى الاستقلال القضائي للإقاليم في مسودة الدستور الجديد – أما الفقرة الأخيرة فسنحاول طرح وتوضيح بعض الدروس التي يمكن الاستفادة منها قبل الاستفتاء على الدستور ؛ وتشكل الدولة الاتحادية فيما يتعلق بالقضاء. وبالعودة للفقرة الأولى أساليب تكوين السلطة القضائية في الأنظمة الفيدرالية المقارنة من خلال متابعتنا لبناء نصوص السلطة القضائية في الأنظمة الفيدرالية المقارنة وجدنا إنها تتبع أسلوباً واحدا ومشابها في تنظيم هذه السلطة من ناحية التكوين، فهناك من هذه الأنظمة من أقرت التكوين الثنائي أو المزدوج للسلطة القضائية الذي يعني ببساطة وجود تنظيمين أو هرمين للسلطة القضائية بحيث يكون للمستوى الفيدرالي أو الاتحادي للحكم نظامه الخاص بالسلطة القضائية من حيث تدرج المحاكم والهيئات القضائية وكذلك شروط وأساليب تعيين القضاة وغير ذلك، وفي الوقت نفسه وبموازاة ذلك تمتلك الوحدات المكونة للدولة الفيدرالية أنظمتها القضائية الخاصة بها. ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال نموذج الولايات المتحدة، حيث لا يوجد نظام محاكم واحد بل خمسة وخمسون نظاما للمحاكم. في الولايات المتحدة الأمريكية نظام للمحاكم الفيدرالية، ونظام المحاكم في كل الولايات الخمسين وفي مقاطعة كولمبيا، وبورتوريكو والأراضي الأخرى التي تحكمها الولايات المتحدة الأمريكية، كما وتوجد بالإضافة إلى ذلك محاكم قبلية لحل المنازعات في العديد من المناطق المخصصة للسكان الأمريكيين الأصليين. أما بالنسبة للتكوين الموحد للسلطة القضائية في النظام الفيدرالي؛ فإنه توجد مجموعة من الأنظمة الفيدرالية ومن بينها انظمة عريقة ومعتبرة تتبنى التكوين المزدوج ولم تمنح الوحدات المكونة للدولة الاتحادية من وجود تنظيم قضائي مستقل خاص بها، وإنما أقرت تكوينا موحدا للقضاء في جميع مستويات االحكم_وربما هنا ما ذهب اليه احد المشاركين بكتابة الدستور من ان هناك حكمة من وراء غياب السلطة الثالثة عند الحديث عن سلطات الاقاليم فجاءت المواد لتتعاطى مع السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فقط- ومن أوضح الأمثلة في هذا المجال النموذج الفيدرالي الألماني حيث توجد مظاهر واضحة لوحدة النظام القضائي في ألمانيا الاتحادية فلا توجد في هذا البلد نظامين متوازيين للمحاكم كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، بل تعد ألمانيا الاتحادية من الدول التي توجد فيها نظام متكامل وموحد للسلطة القضائية بحيث تكون المحاكم في الولايات في مستوى أدنى من مستوى المحاكم الفيدرالية التي تكون دائما في قمة الهرم. إذا دققنا في التكوين الموحد وقيمناه في ضوء مبادئ النظام الفيدرالي وخصائصه سنجد انه يتعارض بشكل واضح مع هذه المبادئ والخصائص، فمن جهة يتناقض التكوين الموحد مع مبدأ الاستقلال الذاتي، حيث أشار معظم الفقهاء إلى مبادئ أساسية للنظام الفيدرالي والدولة الفيدرالية، وفي مقدمتها مبدأ الاستقلال الذاتي للأقاليم والوحدات المكونة للدولة الفيدرالية والذي يتجسد في مجالات مختلفة من ضمنها المجال القضائي – واعتقد ان هناك نصا حتى في مسودة الديتور لا اذكرها في هذه العجالة تعتبر ان حكم المحكمة العليا في الاقليم نهائي ولا يستأنف في المحكمة الاتحادية -أي استقلال الأقاليم المكونة في القضاء عموما حيث لا تعد من المسائل الحصرية التي تختص بها الهيئات والمؤسسات الفيدرالية وإنما تدخل في مفهوم الاستقلال الذاتي للوحدات المكونة. وعليه فأن التفسير المنطقي للأمور وما تحتمه طبيعة الأشياء هو أن يكون للأقاليم ضمن النظام الفيدرالي التنظيم القضائي الخاص بكل اقليم الأمر الذي يستلزم بالضرورة الأخذ بالأسلوب المزدوج في تكوين السلطة القضائية، ومن جهة ثانية يتناقض التكوين الموحد مع الميزة الجوهرية للنظام الفيدرالي المتمثلة في تقسيم السلطة بين أكثر من مستوى من مستويات الحكم، وان تقسيم السلطة في النظام الفيدرالي هو الذي يميز ذلك النظام عن الأنظمة اللامركزية الإدارية والإقليمية والحكم الذاتي لان الفيدرالية تقسيم (للسلطة) مطلقا وليس للوظيفة الإدارية أو جوانب من السلطة التنفيذية، وينبغي أن يكون التقسيم شاملا للسلطات الثلاث في الدولة. الفقرة الثانية الأسلوب المتبع في النظام الفيدرالي بحسب مسودة الدستور الشيء المنجز حتى الآن ا..؛ ومدى ملائمة النصوص الدستورية للاستقلال القضائي للأقاليم من خلال استقراء النصوص الدستورية في مسودة الدستور للدولة اليمنية الاتحادية نجد أن الأسلوب الألماني هو المطبق فعند الحديث على سلطات الأقاليم من المادة (230) وحتى المادة (249) كل هذه المواد تتحدث فقط عن سلطتين تشريعية وتنفيذية .. وعند التدقيق في الفقرات الأربعة والعشرين للمادة (335) من مسودة الدستور التي أوضحت الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية لا نجد فيها ما يشير تصريحا أو تلميحا إلى التنظيم القضائي، بمعنى ان الدستور لم يجعل ذلك من الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. ولا حتى ضمن المادة (236) الاختصاصات المشتركة للفقرات الاثني عشر ، ،ولا حتى في المادة (337) الاختصاصات الحصرية للأقاليم في الفقرات الاحدى والعشرون ..بل أن عنوان الباب كله قوائم الاختصاصات التشريعية والتنفيذية ..ومن هنا فأنه في ظل النظام الفيدرالي يفترض أن تتمتع الأقاليم باستقلال قضائي كامل بحيث توجد على مستوى الأقاليم التي ستنشأ هرمية متكاملة من المحاكم والهيئات القضائية مستقلة تماما عن نظريتها على المستوى الاتحادي للحكم. ففي المادة (327) المحكمة الدستورية جهة قضائية مستقلة مالياً وادارياً وتختص بما يلي: الفقرة (2) الفصل في تنازع الاختصاصات بين جهات القضاء ..فكيف اغفل هذا في قوائم الاختصاصات ..؟؛لست أعلم..!؛ وعلى الفقهاء القانونين شرح ذلك ..أنا فقط وارصد وأقارن ..نعم ..؛ فبدون وجود قضاء دستوري لا يمكن بناء تنظيم قضائي متكامل يرسخ مبدأ الدولة الدستورية وشرعية مؤسساتها وحماية حقوق الإنسان والمواطن وحرياته حماية فعالة فالقضاء الدستوري في أي تنظيم سياسي هو حامي الدستور والشرعية الدستورية والحصن الأخير لحماية الحقوق والحريات المذكورة .. ويبدو ان اصل المشكلة مرتبط بمشكلة اكبر منها وهي بالأصل عدم وجود دساتير للأقاليم 4أما بالنسبة للقضاء الإداري لأول مرة سينشأ في الدولة اليمنية الاتحادية وهذه ميزة جديرة بالثناء؛ ولقد أكدته مسودة الدستور في المادة (225) القضاء الإداري جهة قضائية مستقلة، تتولى دون غيره الفصل في المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بها. وينظم القانون تشكيله، ودرجاته، واختصاصاته، والإجراءات المتبعة أمامه. وبهذا ينبغي التوجه نحو النظام المزدوج للقضاء العادي والقضاء الاداري في الدولة اليمنية الاتحادية على طريقة الدول التي اتبعت النظام المزدوج في هذا الخصوص كفرنسا ومصر وبلجيكا على سبيل المثال . أقول باختصار في هذا الصدد بأنه حتى الآن ومن الناحية الفعلية لا يوجد في اليمن قضاء إداري منفصل عن القضاء العادي ، وإنما الحاصل حتى هذه اللحظة هو دخول القضاء الإداري ضمن الولاية العامة للقضاء العادي ولكن وضعاً جديداً في طريقه للحدوث بعد الاستفتاء على الدستور وصدور قانون القضاء الاداري.. الفقرة الثالثة الدروس أو التوصيات التي يمكن الاستفادة منها في الأقاليم الستة أو الاستفادة منها من الأقاليم المستقبلية: أولاً: إن المادتين مادة( 223 ) و(226) من مسودة الدستور تحتم إعادة النظر وتلافي النقص في المسودة عند الحديث عن السلطات الثلاث في الدولة الاتحادية وتتكرر الثلاث عند الحديث عن الأقاليم ولكن ربما بوظائف واختصاصات أقل من الاتحادي ،حيث وجد أن السلطات في الأقاليم فقط سلطتين ولذلك وجب التنبيه ،وما يعزز ما ذهبنا إليه هو مضمون المادتين سالفتين الذكر حيث تشيران بوضوح إلى ما يلي : المادة (223) 1 . ينظم قانون السلطة القضائية اختصاصات المجلس الأعلى للقضاء ومجالس القضاء في الاقاليم في تعيين القضاة وأعضاء النيابة العامة ونقلهم وندبهم وإعارتهم وتقاعدهم وقبول استقالتهم ومساءلتهم تأديبياً، وكافة شئونهم الوظيفية الأخرى، والنظر في الطلبات والتظلمات المقدمة منهم. 2 . كما ينظم القانون اختصاص مجلس القضاء في الاقاليم فيما يلي : أ‌. إدارة المحاكم وأجهزة النيابة العامة على مستوى الأقاليم . ب‌. وضع الخطط والسياسات العامة إ لصلاح القضاء وتطوير ادائه. ج. إعداد مشروع موازنة القضاء في الأقاليم والإشراف على تنفيذها. د. أي اختصاصات أخرى ينص عليها القانون. وتشير المادة (226) تنشأ محاكم ابتدائية في المديريات, ومحاكم استئناف في الولايات, ومحاكم عليا في الاقاليم ، وتنشأ محكمة عليا اتحادية، وتكون أحكام المحاكم العليا في الاقاليم نهائية باستثناء ما تختص به المحكمة العليا الاتحادية وفقاً لما ينظمه القانون. ثانياً: من الضرورة أن تتخذ الأقاليم نفس النموذج من تكوين السلطة القضائية الاتحادية بناء على ترتيبات دستورية ضمن دولة فدرالية وإنما فرضته ضرورات عملية واعتبارات واقعية سابقة لتبني النظام الفدرالي فهذا النظام جاء. ثالثاً:: يجب أن يكون الهم الأساسي لأي إقليم مستقبلي سن دستور خاص به، لأن من شأن ذلك تجنب العديد من المشاكل في بنيته بما في ذلك ما يتعلق بالنظام القضائي لذلك الإقليم بكافة تشكيلاته من قضاء دستوري وإداري وغير ذلك..ثالثاٌ : بقي ان اعرض عليكم فكرة أردت ان اختم بها مقالاتي عن القضاء في اطار الدولة الاتحادية ضمن السلسلة التي اكتبها..والفكرة بعد ان قرأت ورأيت ان القضاء في الدولة الجديدة هو جد صعب ومعقد لأنه مركب ولان اعداد القضاة اعداد قليلة ..فكان القاضي في محكمته ايا كانت ربما بالشهر تمر عليه مئات القضايا ..وهي دولة بسيطة ..،فما بالكم ونحن متجهون نحو دولة اتحادية معقدة .. فمقترحي مضمونه على السلطة القضائية القائمة ان تبدأ من الآن بانشاء معاهد للقضاء وليس الاكتفاء بالمعهد اليتيم الذي يتوقف ردحا ويُسيس اخرى ..واقترح البدأء بانشاء معهدين على الأقل فتعز والأخر في اب، اي بإقليم الجند باعتبار أن الخامة المتعلمة موجودة والاقتناع بالقانون والخضوع له وتنفيذه وسيادته متوفرة ،وسيكونان نموذجان يمكنهما فيما بعد ان يقوما بدور تأهيل قضاة لباقي الاقاليم. مستقبلا..
اللهم وصلنا لما نحلم فيه من الفصل الحقيقي بين السلطات، ومن استقلال كل سلطة عن الأخرى، وارنا يمنا جديدا خاليا من التدخلات ومن الفساد يا كريم ..ورمضانكم جميعا مبارك وكريم..

اترك رد