الفيدرالية – الديمقراطية – بناء الدولة – الإقتصاد والتنمية المستدامة (22)

0 216

د. علي مهيوب العسلي

الحلقة التاسعة : للتذكير والتنبيه..استراحة في محطة عيدية:_ قبل الخوض في  مسألة تقسيم الثروة الوطنية الموضوع الأكثر حساسية من كل المواضيع التي تم عرضها حتى الآن ، وخاصة في يمننا الحبيب_ المتجه صوب الفيدرالية كخلاصة حل لتقليص النفوذ المركزي وتركز السلطة والثروة  لدى المركز المقدس المشكل الرئيس في الحالة اليمنية  _ . وفي ظل هذا الاختلال الشامل ( بنيوياً_ سياسياً_ اقتصادياً_ اجتماعياً ) الذي وصلت اليه البلد ،ونتائج ذلك الكارثية على كثير من شرائح المجتمع وبعض مناطقه  ،وما تعرضت له تلك المناطق من تعمد الحرمان  والتهميش والاقصاء أيام النظام السابق ؛اضافة إلى حرمان المناطق  التي تتواجد بها الثروات النفطية والغازية والتي كانت محرومة فعلا من أبسط الخدمات الأساسية ..هذا الوضع غير الطبيعي قد زاد السخط الشعبي على النظام  فبمجرد أن  انطلقت ثورة شبابية فريدة بأخلاقها وقيمها و سلميتها، وبخطابها الواقعي  المتزن حتى تجاوب معها وباركها ذلك المد الشعبي الهائل  والمتدفق عبر جُمُعه ومسيراته، وفي أكثر من أربعين ساحة حرية وتغيير..؛ غير أن النخب الحزبية استطاعت احتواء وهج الثورة وزخمها الجماهيري الكبير لتحرف بوصلة التغيير الجذري باتجاه مشروع الدولة المنشود إلى اتجاه  اصلاحي محدود يفضي لتقاسم السلطة بين المؤتمر وحلفاؤه والمشترك وشركاؤه ، فيما عرف أنداك بإصلاح نظام الحكم وليس تغييره _ اصلاح النظام والاكتفاء بالمطالبة بتغيير رأس ذلك النظام _ ،نعم!؛ كان هدفهم فقط أسقاط رأس النظام والإبقاء على جسمه ليدير الدولة بأدواته المهترئة والتي جُلها فاسدة وانتهازية ،هذا المتغير ساعد المتطلعين والمترصدين للانقضاض على ما تبقى من ثورتي سبتمبر واكتوبر كي يُعيدوا الامامة ولو عير خطاب عصري زائف ،و بأهداف جاذبة لكنها غير حقيقية _كانت كلها  خادعة_  فانخدع من انخدع من اليمنين ومن مختلف المشارب والاتجاهات ؛ كما انخدع معهم وقبلهم ممثلي ومبعوثي الامم المتحدة وبعض الدول الكبرى _انخداعا أو لربما لحسابات كي يبقون الحوثة فزاعة مرعبة للخليج  لتتدفق عليهم الاموال بغرض التسلح أو الحماية _  بحجة الدفاع عنهم كونهم قوى جديدة شابة وحيوية و بإمكانها تقديم شيء نافع وجديد لشعبهم بخلاف القوى التقليدية العجوزة والتي لم تُحدِّث حتى تغييراً  في قياداتها إلا ما ندر ،ولقد استطاع الحوثيون الوصول الى الكونجرس الأمريكي عبر نشطاء وتكنوقراط الهاشمية السياسية في اليمن  ،الذين سوقّوا الحوثة على انهم تجديدين وحداثيين عند  بعض المؤسسات الأممية ،بينما الحقيقة يعرفها كل اليمنين بعكس ذلك تماما ؛ ولذلك اصطف معظم اليمنين  مع الشرعية على الرغم من عجزها الواضح واداءها المتردي ..وللحقيقة وللتاريخ فإننا نقول لها اذا استمريت على ما انت عليه من نهج وسلوك الماضي ، فحتما  ستعجزين عن تقديم أي نموذج يُحتذى به وسيتلاشى التأييد الطوعي الاختياري الحاصل لك  الآن  من قبل الشعب وستدخلين في موجة جديدة من المواجهة والاحتجاج واستخدام العنف في دوامة متكررة ، خصوصا ونحن نرى هذا التراجع الكبير في الحضور الحزبي والمدني على ارض الواقع ، وبروز وازدهار لمن يحمل السلاح ويستخدمه.. ومالم تحدث اصلاحات حقيقية في مستويات السلطة المختلفة فإنني أوكد أنه ومهما حصلت  الشرعية  على دعم محلي ودولي فهو مؤقت سرعان ما يتغير بالرفض وليس عليها وحدها  ، بل ربما يتعرض  مشروع الدولة كله للأذى  أو للتأخير  ولعقود..؛ فأية سلطة تكون غير قادرة على القيام بواجباتها الدستورية والقانونية ،وعدم استطاعتها تحقيق تطلعات الجماهير فهي حتماً  إن لم تتدارك نفسها ستنتفض الجماهير ضدها من أجل تغييرها ، لكن الرئيس هادي الشرعي  الوحيد من بين كل اليمنين والذي لا يزال لديه الفرص، لأن يخلد نفسه  كرجل تاريخي وقومي إذا كبر بكبر الوطن وتجاهل مصالح الاحزاب الضيقة والأنانية ، واتجه بقراراته وإجراءاته باتجاه مصالح الوطن العليا ..؛ بيده وحده أن يُخلد ويحكى عليه ، كما حكي في التاريخ الحديث  عن رئيس الوزراء الماليزي “مهاتير محمد ” بشرط أن تتجه بعد هذا التفكيك لإعادة التركيب أي البناء ..!؛ يتجه  بكل ما يملك من أدوات ووسائل وشرعية ،وإرادة  إلى البدء بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني “الوثيقة الجامعة” ..؛ ولكن مع كل آسف نقولها بمرارة ؛ فان كل القرارات والإجراءات والتي اتخذت لحد الآن ، في المعظم  لا تخدم تلك النصوص الموجودة في وثيقة مخرجات الحوار، بل قد يكون بعضها بالعكس منها تماما ..!؛ يا فخامة الرئيس هذه الوثيقة هي تاريخك ،هي من غيرتنا بالوقوف معك ، هي ماركتك وهي تجارتك الرابحة ، والتي لو سهركم واشرافكم المباشر عليها لما كانت لترى النور اصلاً ..؛  فهي احد انجازاتك التاريخية والعملاقة  فلا تفرط فيها واحرص على تنفيذها فهي النافذة الوحيدة المنقذة لك ولنا وللوطن.. ! ؛ أخي الرئيس لقد  بدأت تتعالى الأصوات وتزداد من أنك انت و شرعيتك بدأتم باستهلاك رصيدكم الوحدوي حين تستهدفون _ندونها ونكررها بحزن و بأسى لكن لابد أن تعي ما يقال وتتلافى العيوب والأخطاء إن وجدت أو توضح الاسباب  الموضوعية لاختيارك _  بعض المسؤولين المتواجدين معك بالسلطة الشرعية والمحسوبين على المحافظات الشمالية  والذين هم من رجالات الدولة المعروفين  واحلالهم بأخرين من المحافظات الجنوبية، بل عندما نسأل لماذا بعض الوزراء  _ حتى لا أعمم لأنني وجدت وزراء من الشمال يعملون في الجنوب وبين الجنوبين أكثر من الجنوبين انفسهم _ لا يأتون ا الى عدن ،  وكذلك نائب الرئيس والقيادات العسكرية والسياسية؟!؛  ويذهبون إلى مأرب  باستمرار ولا يأتون إلى عدن كالأخرين ويمارسون وظائفهم كالأخرين من هنا ..!!؛  يقال لك خوفا على حياتهم الشخصية حيناً؛ وحينا خوفاً من ردة الفعل واحراجهم لان الجنوبين يرفضونهم ولا يريدون من الشمال ،والبعض يقول.. ويقول.. ؟؛ أيعقل هذا يا رئيسنا ..!؛ هل نحن في دولة أو في حضانة ..الله المستعان على مثل هكذا اطروحات وعلى من يقبل المنصب ولا يؤديه كما ينبغي وكما هو مرسوم في الدستور والقانون. ..أرجوك يا رئيسنا غاية الرجا أن توجه بعودة الجميع للعمل من هنا كعاصمة مؤقتة مؤبدة لا تفرق وتحت اشرافك  المباشر مع توفير الأمن الكافي للمواطنين قبل المسؤولين ..؟؟؟ ؛ وقد يقال أن الرئيس متماهي مع كل الذي يجري من ردود افعال جنوبية وبرضاه ..!؛ فلو كان هذا القول حقيقة ؛فهذه والله  الكارثة فعلا، وكل ما نقوله ويقوله غيرنا عن الاخ الرئيس،  سيصح لعنات علينا وعليه عندما يتيقن الناس من هذا القول.. وللحقيقة فإني أصدقك القول أنني لم أرى من الولاء المطلق لك ولشرعيتك ومن أناس ليس لهم اتصال بك أو بأجهزتك إلا من الشمال  وعلى وجه الخصوص من  الحالمة تعز والتي تضحي وتتحمل من أجل الانتصار لها وللوطن ككل.. ما جعلني اشير الى ذلك هو قرب كتابتي عن توزيع الثروة وما يكتنف هذا المفهوم من ادعاءات فاذا ما عرضت موقف ومنطق نوعا ما يكون مختلف عن السائد سأتهم بكل الاوصاف التي تعلمونها هذا من جانب ومن جانب أخر هو كذلك من باب الحرص على مشروع الدولة الذي نأمل الوصول اليه ،و الحرص كذلك على هذه الشرعية ذاتها ورئيسها الممر الوحيد الممكن لبناء الدولة المدنية الحديثة مع الرغبة الأكيدة أن تخلد  الشرعية التي تصدت للانقلاب وواجهته كقيادة تاريخية كما حاولنا تصوير ذلك مرارا  في كتاباتنا  فهل شرعيتنا مدركة لما أطرح  أم لا؟؛ فمن أجل كل ذلك وجب علينا تنبيهكم وابصاركم بما لا يصل اليكم من تقارير مؤسساتكم .. ننبهكم ونترجاكم التقليل من الاستمرار روزنامة الاخطاء والقرارات التي تعزز في نفوس الناس ما يطرح من اشاعات ..فإن الاحباط يا سادة الرئيس هو اخطر الأعداء وقد يفضي بأصحابه إلى  الحنين للماضي بكل ما ارتكب من أخطاء .. أيعقل ونحن نتكلم عن الثروة وعن الدخل والتوزيع العادل والمواطنة المتساوية وجمل مثل الاقتصاد والايرادات والنفقات والتنمية وغيرها من العناوين الكبرى ونحن نرى أن حكومة لبلد بكامله اسمه الجمهورية اليمنية ويدين كل الموظفين للشرعية وهي تعجز دفع رواتب عموم الموظفين في الدولة، أو بشكل متعمد تدفع لجزء من الوطن وتترك الجزء الأخر وموظفيه صيدا ثمينا وسهلا للمنقلبين ..؟!؛فماذا يعني هذا؟؟؛    نعود للتذكير والتنبيه  فنقول :لقد قبل الثائرون وعلى مضض المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية وما ترتب عليها من اختيار رئيس توافقي ،فهب الملاين لانتخاب الاخ عبده ربه منصور هادي رئيسا توافقياً لإدارة مرحلة انتقالية لتسليم السلطة سلميا ..وكان الثوار هم  أكثر من التزموا ونفذوا وامتثلوا  ولا يزالون ،وكذلك فان الشعب اليمني العظيم بالرغم  من الماكينات الاعلامية المضللة إلا أنه لا يزال مواليا للشرعية ويتعاطى مع الاحداث الجسام التي تقع عليه بصبر ، لأنه يتوق لغد أفضل ، ولدولة حديثة تؤمن بالقانون وتنفذه ، ويرتجي العدالة والانصاف والمواطنة المتساوية والتوزيع العادل للثروة والسلطة ، سنتحدث عنه لا حقا بمشية الله .. إن ما جعل شباب اليمن ومن ورائهم  تلك الحشود والتي دامت لفترات طويلة  في الساحات وفي الجُمُع وما أثمر عن تعقُلهم وصبرهم من مخرجات أتت بعد نقاشات سياسية واقتصادية وحراك مجتمعي كبير  ولمدة تزيد عن العام في مؤتمر الحوار الوطني بين مختلف المكونات السياسية والمدنية أو ما عرف بالفسيفساء اليمنية التي التأمت وبإشراف وتيسير أممي في كل مراحله وحتى انجاز تلك الوثيقة المعروفة بوثيقة مخرجات الحوار الوطني _ السقف الذي لا تنازل عنه_ والتي خرجت بموجهات دستورية وقانونية تم صياغة العديد منها في مسودة جديدة للدستور الجديد ..نعم ..!؛ هذه المسودة تحتاج لنقاش طويل واثراء وتصويب وتعديل ولكنها انجاز مهم ،ومن بين تلك الموجهات والمصاغة في قالب دستوري على هيئة مواد بمسودة الدستور الجديد لليمن الاتحادي ،هو أن  الدولة الجديدة دولة اتحادية فيدرالية بمستويات ثلاثة للحكم (حكومة اتحادية، اقاليم ،و ولايات) بنظام جمهوري رئاسي ،و اتفق على أن تكون الاقليم  عددها ستة أقاليم، خرج عن الاجماع مكَّون يفترض أنه سياسي شاهراً سيفه ومستخدما القوة لفرض ارادته السياسية المغايرة بقوة السلاح وكانت بالضد من وثيقة الاجماع والتي وقع عليها نظريا وسلميا هو ، وتنصل عنها عمليا وميدانيا ،بل وقام  بتعطيل تنفيذها بالاستلاء على السلطة بالقوة وتشويه وتجريف ما تبقى من هياكل السلطة التي كانت قائمة ،فانتج اجهزة موازية لها تحكمها ومن خارجها، إضافة الى القيام باستباحة المدن وتخريب مؤسساتها ونهب محتوياتها وأهمها طبعا مخزن الثروة اليمنية وبنك البنوك “البنك المركزي” الذي صودرت السيولة لنقدية الموجودة فيه ، وكل احتياطاته وصولا إلى إفلاسه حتى تم نقله من قبل السلطة الشرعية وهذه كلها التي اشرنا اليها عند الحديث عنها ستتحول الى ارقام  يترتب على ذلك الوفاء بتسديدها أو تعويضها ،وحكما سيكون على حساب الاقتصاد ،ونسب توزيع الثروة  ..، فما أعنيه انه يتعين قبل الحديث عن تقسيم السلطة والثروة  الاقرار بضرورة الاتفاق على فترة انتقالية اقتصادية على غرار نقل السلطة سلميا حتى يتعافى الاقتصاد وتزول المشكلات كالبطالة والتضخم ويرتفع  مستوى الناتج القومي وبالتالي  يزداد متوسط دخل الفردي والتي اشرنا اليها في السابق ..؛ أي يتم فيها اصلاح الاختلالات الاقتصادية، وجبر الضرر واعادة الاعمار واحداث تنمية متوازنة  للمناطق التي تضررت من قبل النظام السابق وحرمت من المشاريع او الوظائف ..بعد ذلك ممكن يطبق اية صيغة قد تم التوافق عليها.. فقبل احداث تنمية متوازنة ولكل المناطق فلن يتم تجسيد مبدأ التوزيع العادل للثروة السلطة على الارض، و سيضل الحديث عن كل العناوين الكبيرة مجرد أحلام ،ولن يكتب لها النجاح على الواقع إذ لم  نستشعر جميعنا ما ينبغي عمله ونبادر من الآن وليس غدا للبدء فيه ..مطلوب كذلك اعمار كل المناطق التي تضررت بفعل الحرب، ومطلوب تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ومطلوب إعادة النازحين والمهجرين  والمسرحين من الموظفين والمواطنين  . سنتحدث في المقال القادم ان شاء الله عن الانصاف والعدالة وكيف يتم توزيع الثروة في الدول الفيدرالية ثم ننطلق للفيدرالية المالية والاقتصاد الكلي لنختم هذا الجزء بما دونته لجنة صياغة الدستور في هذا الموضع  .. اختم فأقول كل عام وانتم بخير ، وعيد سعيد عليكم وعلى امتنا من المحيط الى الخليج..!

اترك رد