الفيدرالية – الديمقراطية – بناء الدولة – الإقتصاد والتنمية المستدامة..(23)

0 191

د. علي مهيوب العسلي
الحلقة الحادية عشر : الاقتصاد الكلي وتوزيع الثروة والفيدرالية المالية
تتباين الاتحادات الفدرالية تباينًا كبيرًا من حيث تخصيص السلطات الضريبية والاقتصادية الرئيسية بين مختلف الاتحادات الفدرالية. إن الاتحاد الفدرالي الذي تقوم فيه الحكومة الفدرالية بتمويل الوحدات المُكَوِّنة بالدرجة الأساس عن طريق الضرائب وعمليات الاقتراض التي تحددها تلك الوحدات لنفسها؛ سيختلف تماماً عن الاتحاد الذي تقوم حكومته بجمع معظم الإيرادات وتمويل الوحدات المُكَوِّنة من خلال التحويلات المشروطة . وبينما يرى البعض أن النموذج الأول هو النموذج الفدرالي الخالص، إلا أن الممارسات الفدرالية والفكر الفدرالي يشتملان على كليهما. بينما نجد أن بعض الترتيبات المالية، مثل سلطات فرض الضرائب، تكون محددة عادة في الدستور الفدرالي، إلا أن كثيرًا من الجوانب الهامة لا تكون محددة. إن الترتيبات المالية في الغالب تكون أكثر مرونة من التوزيع الأساسي للسلطات التشريعية والإدارية في مستويي الحكم الفدرالي والإقليمي، ويقصد بهذه المرونة أن الترتيبات المالية تكون في كثير من الأحيان عنصراً رئيسياً في المناقشات السياسية التي تدور في الاتحادات الفدرالية..!؛ إن معظم الملامح غير المالية والتي تحدد طبيعة الاتحاد الفدرالي – عدد الوحدات المُكَوِّنة، ومؤسساته الرئيسية، وتوزيع السلطات التشريعية والإدارية – تكون غالبًا محددة في الدستور؛ ويصعب تغييرها عادة ،لأن التعديلات الدستورية بطبيعة الحال تتطلب أغلبية خاصة (على الرغم من أن بعض الاتحادات الفدرالية تسمح بتفويض السلطات بين مستويات الحكم فيها)؛ لكن الدساتير ، لا تستطيع أن تحدد الكثير من الملامح المالية الرئيسية للاتحاد الفدرالي، مثل المبلغ الذي يجب إنفاقه والمجالات التي يجب الإنفاق عليها، والضرائب التي يتعين أن تكون ضرورية، والتفاصيل الدقيقة للتحويلات المالية من المركز إلى حكومات الوحدات المُكَوِّنة. إن مثل هذه الملامح يجب متابعتها من خلال السياسات اليومية، التي يمكن أن تكون تنافسية وتعاونية في آن. إذاً الفيدرالية المالية تتضمن دراسة تقييم الترتيبات المالية. وتشمل المعايير التقييمية كلاً من الكفاءة الاقتصادية، والإنصاف، والسهولة الإدارية، وحوافز الابتكار، والمساءلة، وتحقيق التوازن بين المسئوليات والإمكانيات، والقدرة على التنبؤ، والاستقرار. إن بعض هذه المعايير يصعب تصورها كمفاهيم مجردة، كما أن المعايير المختلفة يمكن أن تتعارض مع بعضها البعض. وينطبق الكثير من هذه المعايير أيضًا على الأنظمة الأحادية. ولا يوجد نموذج يمكن اعتباره الأفضل للفدرالية المالية؛ فالخيار المفضّل يعتمد على ما سيتم إضفاؤه من قيمة وتفسير على المعايير المختلفة. فتمثل الكفاءة الاقتصادية أحد الاهتمامات الرئيسية لعلم الاقتصاد. وهي تركز على استخدام الموارد النادرة بطريقة رشيدة (مفيدة وغير مسرِفة). وتهتم الفدرالية المالية بالأبعاد المختلفة للكفاءة الاقتصادية: _ أحد هذه الأبعاد هو كفاءة الأسواق الداخلية. فقد تتسبب الحكومات المختلفة في الاتحادات الفدرالية في إحداث تشوهات في الأسواق الداخلية بسبب السياسات التي تحمي أو تساند المنتجين المحليين( قرارات المشتريات) ، أو الأنظمة والأحكام، أو حق الاستثمار، مما يؤدي إلى إقامة عوائق تقف في طريق التدفق والانسياب الفعال والكفء للاستثمارات أو العمالة بين الوحدات المُكَوِّنة. _ كما يمكن أيضًا أن تقوم الوحدات المُكَوِّنة الغنية باستخدام ميزتها المالية، بدلاً من ميزاتها التنافسية الكامنة وراء ثرواتها، لتقدم ضرائب منخفضة وخدمات جيدة تؤدي إلى جذب الاستثمارات والعمالة _ ، وأخيراً، تستطيع الترتيبات الفدرالية أن تؤثر على إمكانية تقديم وتوفير البضائع والخدمات العامة بكفاءة وفعالية، بما في ذلك تكاليفها وفوائدها، وأيضا على السهولة الإدارية الخاصة بها. وتتضمن الكفاءة في هذه الحالة الاعتبارات الخاصة بالاقتصاد القائم على تحديد سعر البضائع بحسب حجم الانتاج أو ما يعرف باقتصاد وفورات الحجم، الاعتبارات الخاصة بما يفيض من التكاليف والفوائد عبر حدود الوحدات المُكَوِّنة، والاعتبارات الخاصة بالأمور المفضلة تحديدًا لدى مجموعات مختلفة من السكان. غير أن الاشكالية العملية تكمن في كيفية تحقيق احد المبادئ الرئيسة لتوزيع الثروة والذي يُعكس كنص دستوري في أغلب الدساتير الفيدرالية زهو “توزيع الثروة بعدالة وإنصاف ” ، علينا أن نتعمق في هذا المفهوم ..فنتعرف على معنى الإنصاف .. !؛ فما معنى الانصاف ؟!؛.. إن معنى »الإنصاف « لا يكون دوماً واضحاً على الرغم من أنه يتطلب التعامل مع الحالات المماثلة بنفس الأسلوب، ومع الحالات المختلفة بمقياس تناسبي عادل. ثمة جانبان لهذا الأمر في الأنظمة الفدرالية: _ أولاً، الإنصاف بين الحكومات الفدرالية وحكومات الوحدات المُكَوِّنة لها، ضمن حدود مسئولياتها (هذا هو الإنصاف الرأسي)، وبين حكومات الوحدات المُكَوِّنة، ضمن حدود احتياجاتها وإمكاناتها المختلفة (الإنصاف الأفقي). _ ثانيا، الإنصاف بين المواطنين. إن معالجة الفوارق بين المواطنين في مختلف أرجاء الفدرالية ينطوي على قيام وتدخل الحكومة المركزية بدور أكثر مقارنة بدورها وتدخلها في معالجة الفوارق بين الحكومات. إن وضع الحكومة المركزية وقيامها بالأدوار مباشرة مع المواطنين، ربما قد يأخذها إلى مجالات تضطلع بها الوحدات المُكَوِّنة فيها بمسئوليات كبيرة في الغالب. يعتقد البعض أن الإنصاف يجب أن ينطبق على الأفراد بدلاً من الحكومات، الأمر الذي يعزز الحجة القائلة بضرورة وجود نظام يوفر مقاييس مشابهة من الخدمات العامة في جميع الوحدات المُكَوِّنة. ويمكن أن تكون الكفاءة والانصاف في حالة تعارض أو انسجام تام. مثلاً، إن صورة الإنصاف الذي لا يهتم بتقديم المكافآت للعمل الجاد، سوف يكون من شأنها أيضًا أن تزعزع أساس التشغيل الكفء والفعال للاقتصاد. كما أنه قد يوجد، من جهة أخرى، أن الاستثمارات في التوفير العادل لخدمات التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية في المناطق غير النامية يمكن أن تؤدى الى بناء ثروة الأمة وتثبت كفاءتها وفعاليتها. وسوف نواجه باستمرار قضايا الكفاءة والإنصاف؛ لأنها تعم الفكر الذي يتناول الفدرالية المالية (والفكر المتعلق بالسياسة العامة إجمالاً). ولا تتوفر إجابات سهلة لهذه المفاهيم الهامة، ويقوم الخصوم السياسيون أحياناً باستخدام لغة الكفاءة والإنصاف لتبرير مواقف شديدة الاختلاف. ان التبرير الأساسي للفدرالية ينص على أنها تسمح بنظام حكومي أكثر استجابةً، بحيث تستطيع الحكومات المختلفة – فدرالية وإقليمية – الاستجابة لأولويات محددة لمواطنيها . ويزعم تبرير آخر للفدرالية أنها توفر حوافز للابتكار لأن الحكومات المختلفة يمكنها أن تتنافس وتجرب مناهج بديلة وتستفيد من بعضها البعض. غير أن الأنواع الخاطئة من المنافسة يمكن أن تسفر بحد ذاتها عن تشوهات وانحرافات. ترتبط بعض المعايير التقييمية بالمبادئ الأساسية التي تحكم ممارسات الاتحاد الفدرالي. وتشمل هذه المعايير: _ كفاية الترتيبات المالية في إيجاد تطابق معقول بين مسئوليات الإنفاق والإيرادات أو سلطات جباية الإيرادات (طريقة أخرى للتفكير في الإنصاف الرأسي)؛ _ القدرة على التنبؤ والاستقرار، لاسيما لحكومات الوحدات المُكَوِّنة التي قد تعتمد إلى حدٍ كبير على الدعم الفدرالي ولا تملك مُدخلاً كبيرًا إلى قواعد الضرائب الواسعة أو أسواق الديون (الاقتراض). _ المساءلة؛ تقوم الحكومات الفدرالية عادة بجمع الأموال ثم تحويلها إلى الوحدات المُكَوِّنة. من هي الجهة التي ينبغي أن تكون هذه الوحدات المُكَوِّنة مسؤولة أمامها بشأن هذه الأموال: الحكومة الفدرالية، أم مواطنيها، أم كليهما؟ يمكن للحكومات المركزية في الاتحادات الفدرالية أن تتمتع بسلطات هامة فيما يتعلق بالوحدات المُكَوِّنة – سلطات لرفض التشريعات، وفرض التفويضات (التكليفات) القانونية، وإضافة شروط على التحويلات المالية، بل وتعليق عمل حكومات الوحدات المُكَوِّنة. يُوجه النقد عادة إلى هذه الترتيبات لأنها غير فدرالية أو شبه فدرالية، ولكن في النهاية فإن الخيار المتعلق بهذه الترتيبات يعود إلى كل دولة وفقاً لأولوياتها، وقيَمها، والتوازن بين المجتمعات الوطنية والإقليمية أو المحلية. وقد بدأت اتحادات فدرالية مثل كندا والهند في أول عهدها بعدد من الجوانب شبه الفدرالية ثم انتقلت عبر الزمن إلى اتجاه فدرالي كلاسيكي أكثر لامركزية، في حين أصبحت اتحادات فدرالية أخرى أكثر مركزيةً. أخيرا يتضح من هذه النظرة العامة للمعايير الخاصة بتقييم الأنظمة المالية في السياقات الفدرالية أنه لا يوجد ترتيب واحد بعينه يمكن أن يوصف بالأمثل، حتى بالنسبة لاتحاد فدرالي معين..!؛ .. عامكم سعيد ،وكل عام والجميع بألف خير..

اترك رد