الفيدرالية – الديمقراطية – بناء الدولة – الإقتصاد والتنمية المستدامة ..(24)

0 184

د. علي مهيوب العسلي
الحلقة الثانية عشر : الاقتصاد الكلي وتوزيع الثروة والفيدرالية المالية: لا شك أن الحجم النسبي للإنفاق الحكومي قد ازداد زيادة كبيرة في الاقتصاديات الدول المتقدمة؛ كما ازداد أيضاً في الدول النامية ولكن بمعدل أقل في الفترة الماضية ، اردنا بهذه الاشارة لفت الانتباه ولتبيان برامج الإنفاق الضخمة والتي عادة ما تكون موجهة للتأمين الاجتماعي والمساعدات الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والدفاع. وتوفر الحكومات الحديثة السلع العامة، إضافةً إلى البرامج والخدمات التي يستفيد منها الأفراد، والتي تسهم في العادة بإعادة توزيع الدخل. إن حجم الانفاق الكلي في الدول المتقدمة قد يصل إلى ما يزيد على نصف الناتج المحلي الإجمالي، بنما الدول الأقل، فلربما يصل إلى ما يقارب الربع من الناتج المحلي الإجمالي وتتميز الدول النامية بطبيعة الحال بنسبة إنفاق حكومي أقل بكثير ، حيث أن قاعدة الإيرادات للحكومات فيها تكون محدودة تمامًا؛ ولا تستطيع في الغالب تحمل نفقات شبكات السلامة الاجتماعية الواسعة وبرامج المساعدات الاجتماعية الموجودة في الاقتصاديات المتقدمة. وأحد المجالات التي تراجعت فيها حكومات الدول النامية في السنوات الأخيرة هو التراجع الكبير عن جعل مؤسسات القطاع العام هي الرائدة ، بل ولجأت إلى خصخصة الكثير منها ،بمعنى أخر التراجع عن الملكية العامة للشركات والمصانع – مثل المرافق العامة، والمؤسسات المالية، وشركات الموارد والشركات الصناعية – حيث تم بيع العديد من هذه الشركات إلى القطاع الخاص. وبحسب النظرية الاقتصادية التي تفترض قيام الحكومات بتوفير السلع العامة، مثل الدفاع والحفاظ على الأمن، والتي يستفيد منها عموم الشعب. كما تقوم الحكومات أيضًا بتوفير برامج باهظة التكلفة كبرامج الرعاية الصحية، والتعليم، وشبكات الأمان الاجتماعية، والمساعدات الاجتماعية، والبنية التحتية الهامة، التي تفيد كلاً من الشعب والمستخدمين المباشرين لهذه البرامج . إن ما نشر عن الفدرالية المالية من مؤلفات ودساتير فيدرالية ومن تجارب نجاحة للكثير من الدول الفدرالية قد ساعد ذلك على تطوير العديد من المبادئ المتعلقة بتخصيص مسئوليات الإنفاق بين الحكومات ؛فإذ نرى أن معظم الدساتير، عمليًا، تقوم بتحديد وتخصيص المسئوليات التشريعية بشكل صريح ؛ في حين تخصص مسئوليات الإنفاق بشكل ضمني فقط. وتشتمل مبادئ التخصيص على منح المسئولية إلى مستوى الحكم الذي يستفيد سكانه من السلعة العامة المقدمة من قبله، ونقل إدارة البرامج من المركز إلى الأقاليم عندما توجد حاجة وميزة قوية لذلك..؛ يتبين ذلك من خلال الانطباعات الواردة من السكان الذين تتم خدمتهم، ويترك المجال لدور فدرالي في البرامج الرئيسية التي من شأنها ان تسهم في إعادة توزيع الثروة بين الأفراد. وهذا يوفر التبرير الكافي لإشراك المستويات الأخرى من الحكم. كما تقوم الدساتير عادة بتخصيص المسئوليات التشريعية، لا مسئوليات الإنفاق. وتنبع مسئولية إدارة برامج الإنفاق عادة من المسئولية التشريعية. إلا أن هناك استثناءات، خاصة في الاتحادات الفدرالية المدمجة، مثل ألمانيا، حيث يمكن أن ينص الدستور على أن تقوم حكومات الوحدات المُكَوِّنة (أو حتى الوحدات المحلية) بإدارة البرامج في مجالات المسئولية التشريعية المتزامنة. وترتبط المشكلة الخاصة بكيفية تحقيق التخصيص الأفضل للمسئوليات في الاتحادات الفدرالية التي يتم فيها نقل السلطات من المركز إلى الأقاليم. وتشير الأطروحات المؤيدة لمبدأ هذا النقل إلى أنه يوفر خياراً جماهيريًا واسعاً، لأن وحدات الحكومة دون القومية [ولايات، أقاليم، مقاطعات] تكون أقرب إلى السكان المحليين، وأكثر استجابة لهم، وأن تعدد حكومات الوحدات المُكَوِّنة يمكن أن يساعد على جعلها بمثابة مختبرات للسياسات المحلية ، بحيث تستفيد من بعضها البعض، وأن اللامركزية توفر ضوابط لمراقبة الأضرار التي قد تنجم عن تركيز السلطة. ونجد، مع ذلك، أن الذين يؤكدون على رفاه المواطنين والحاجة إلى سياسات متماسكة عبر أرجاء الدولة يؤيدون في الغالب حكومة أكثر مركزية. ومهما كانت الرغبة الجماهيرية في حكومة ذات سلطات منقولة، فإن تخصيص المسئوليات المحددة لكل مستوى من مستويات الحكم يجب أن يتم تقريره. لقد شهدت بدايات الفدرالية المالية، كموضوع أكاديمي، تأكيدًا قويًا على ضرورة الموازاة بين السكان المستفيدين من إحدى السلع العامة والمستوى المناسب من الحكومة التي ستقوم بتقديم هذه السلع. يعتبر الدفاع، مثلاً، سلعة عامة يستفيد منها بكل وضوح مجموع المواطنين في البلد؛ أما الطرق المحلية، على النقيض من ذلك، فيستفيد منها في المقام الأول شريحة صغيرة محدودة جغرافياً. وهكذا، بينما نرى أن نظرية تقديم السلع العامة تبدو واضحة، إلا أنها من ناحية التطبيق قد تكون حافلة بالمشاكل. الدفاع والطرق المحلية تعتبر مجالات واضحة تمامًا. ولكن الكثير من السلع العامة الأخرى، كالحفاظ على الأمن، تخدم الجماهير على المستوى القومي والإقليمي بدرجات مختلفة، وعليه يكون من الصعب رسم حدود المسؤوليات في هذا المجال. إضافة إلى ما سبق ، تعمل مجالات الإنفاق الكبرى كالرعاية الصحية، والتعليم، ورواتب التقاعد، وتأمين البطالة والمساعدات الاجتماعية على زيادة تعقيد الصورة. وقد تكون إدارتها بشكل لامركزي هو الحل الأفضل، وذلك لأسباب تتعلق بنجاعة التكاليف والاستجابة للأوضاع المحلية، غير أن ذلك قد يسفر عن حصول المواطنين في أنحاء الدولة على معاملة شديدة الاختلاف والتباين، ويؤدي إلى إقامة عوائق أمام حرية التحرك والتنقل. وهكذا، ولأسباب تتعلق بالإنصاف ونزاهة البرامج، ينبغي أن تلعب الحكومة المركزية دورًا في هذا المجال. وينطبق هذا بشكل أدق على بعض التحويلات التي تتم للأفراد، مثل تحويلات إعانات الأطفال، ورواتب التقاعد، وبعض التحويلات القائمة على الحاجة، حيث قد لا توجد ميزة خاصة لتقديم الخدمات من جانب الوحدات المُكَوِّنة. وقد يتوجب إيجاد توازن يشترك فيه مستويا الحكومة في المسئولية. لقد تم، عمليًا، تحديد التخصيص الرئيسي لمسئولية الإنفاق في معظم الاتحادات الفدرالية بدون الكثير من الرجوع إلى نظريات الفدرالية المالية. غير أن المبادئ يمكن أن تكون مفيدة لتلك الدول التي لا تزال تنظر في كتابة و تبني نصوص دستورية من دول ذات دساتير فدرالية راسخة ،و التي هي ذاتها تسعى إلى تعديل المسئوليات باستمرار.. نكتفي بهذا العرض أعلم أنه قد يكوم مملا ،لكن وجدت أنه ضروري من باب اكتمال الفهم والاستيعاب لنستطيع معا معالجة مشكلاتنا قبل أن تستفحل ونكون بذلك قد بدأنا من حيث انتهى الأخرون ..ودمتم..

اترك رد