الفيدرالية – الديمقراطية – بناء الدولة – الإقتصاد والتنمية المستدامة ..(25)

0 203

د. علي مهيوب العسلي

الحلقة الثالثة عشر : الاقتصاد الكلي وتوزيع الثروة والفيدرالية المالية : تواصلا مع الحلقة السابقة ..فإن الحكومات المركزية تتولى عادة، إدارة البرامج التي قامت هذه الحكومات بسن قوانينها(في الدول ذات الاتحادات الفدرالية المزدوجة)، بينما تتولى الوحدات المكوِّنة، تنفيذ القوانين الفدرالية في مجالات محددة(في الدول ذات الاتحادات الفدرالية المدمجة). ويوجد في كثير منها، عناصر من كلا النموذجين(المزدوج، المدمج). و لكلا هذين النظامين نقاط قوة ونقاط ضعف؛ نورد منها ما يلي: _ يقوم النموذج المدمج” من حيث المبدأ”، بوضع أطر السياسات العامة، مع السماح في الوقت ذاته للحكومات المُكَوِّنة تعديل تلك الأطر بحرية تامة وفقاً للظروف المحلية؛ لكن، ومن الناحية العملية، فقد تكون مثل هذه القوانين الفيدرالية التي تسن في الغالب تفصيلية إلى حدٍ كبير ولا تترك سوى مساحة محدودة من حرية التصرف للوحدات المُكَوِّنة. وأحسن مثال لنا كي لا نقع مستقبلا في مشكلات وتعقيدات محتملة هو التأمل بعمق مثلا إلى التجربة النيجيرية، تلك الدولة التي لديها احتياطي وفير من البترول ، وما حدث بنيجيريا هو أن الأقاليم المنتجة للبترول تظلمت من سياسة تقسيم الدخل وقالت إننا نتكبد المشقة والعناء في إنتاج البترول وذلك على حساب اقتصادنا وبيئتنا الطبيعية ؛ ولذا فإننا نستحق النصيب الأكبر من هذا الدخل، ومع الوقت تحولت تلك المطالب إلى أعمال عنف وظهرت حرب العصابات التي قامت بأعمال تخريبية في أنابيب البترول وذلك لجذب انتباه الحكومة، أعلنت الحكومة استجابتها لتلك المطالب ووعدت بزيادة دخل الأقاليم البترولية عن الأقاليم غير البترولية بنسبة 13% من دخل البترول .بسبب ذلك ظهرت منافسة حادة عنيفة لفرض السيطرة بالقوة على دخل البترول في أقاليم الدلتا البترولية كلها وتسبب بحدوث مأسي ودماء..؛ وقد أظهرت التجربة الأمريكية أن نمو الصناعة وتوسعها يتطلب توسيع صلاحيات السلطة الفدرالية المركزية وتقليص سلطة الولايات(( حيث الاتجاه العام في التجربة الأمريكية منذ إعلان الدستور قبل أكثر من 200 عام هو من الكونفدرالية إلى الفدرالية إلى فدرالية ممركزة مع نمو الهوية القومية الأمريكية)) .. والآن سنجيب على التساؤل الهام وهو “كيف يجب تقسيم مسؤوليات تأمين الخدمات العامة بين الحكومة المركزية (الاتحادية ) وبين الحكومات المحلية..؟” بتسليط الضوء على تجارب بعض الدول الفيدرالية، ومن ثم دراسة العوامل الواجب أخذها بعين الاعتبار في هذا المجال. أن الاتحادات الفدرالية كلها تتشاطر بعض الصفات المتشابهة في كيفية توزيعها المسؤوليات، فمعظم الاتحادات الفدرالية على سبيل المثال تقع مسؤوليات العلاقات الخارجية والأمن القومي على عاتق الحكومة الوطنية، فيما يتكفل المستوى الإقليمي أو المحلي بالبنى التحتية المحلية، كالطرقات المحلية أو الإقليمية ومنشآت تكرير المياه ؛ لكن الاتحادات الفدرالية تختلف اختلافا جذريا من حيث مسؤولية الانفاق ،أي الطريقة التي تقدم عبرها الخدمات، كالتعليم الجامعي والرعاية الصحية ودعم الدخل، والتي قد تنتج هذه الاختلافات بعض التعقيدات ، إذ أن الحكومة الوطنية تصمم البرامج وتمولها أحيانا، لكن من يطبقها؟؛ الحومات الإقليمية هي التي تطبقها، ومثال على ذلك ما تعكسه حالة التعليم الجامعي في استراليا وكندا من اختلافات، ففي استراليا يعتبر التعليم الجامعي مسؤولية مشتركة بين الحكومتين الوطنية والإقليمية مع تولي الحكومة الوطنية الدور الأهم، أما في كندا فالتعليم الجامعي مسؤولية إقليمية أساسا مع وجود تغييرات واسعة في البرامج بين إقليم وآخر، لكن الحكومة الوطنية تؤدي دوراً معينا ، من خلال تقديم المنح إلى الأقاليم وبالتحديد إلى المؤسسات لدعم الأبحاث والى الأفراد على شكل قروض طلابية وحتى في كندا كذلك..!؛ فما العوامل الواجب دراستها في هذا المجال؟؛ _ الحجم الفعال للبرامج؛ فلا تكشف بعض البرامج عن مدى فعالياتها إلا حين يتم تطبيقها على المستوى الوطني .. ولعل ابرز مثال على ذلك هو توقعات الطقس..، أما البرامج الأخرى كالتعليم الابتدائي والثانوي والرعاية الصحية فيمكن أن تطبق بفعالية على المستوى الإقليمي. _ الآثار الثانوية (للإنفاق العام) بين الأقاليم؛ ففي بعض الأحيان تتأثر بعض الأقاليم تأثيرا كبيراً بما يفعله أو يقوم به إقليم ما ، فإذا كان التعاون بين الأقاليم أمراً صعبا ، فلعله من الأفضل حين ذاك أن تقوم الحكومة الوطنية بتقديم خدمات محددة بنفسها، وفي هذا السياق يعتبر التنظيم المالي احد هذه الأمثلة (فإتباع تنظيمات مالية متنوعة في أقاليم مختلفة يزيد من كلفة العمل ، لا بل قد يعرقل النمو لاقتصادي) ._ الاختلافات الإقليمية من حيث الحاجات والتفضيلات؛ فإذا كانت الأقاليم تختلف حاجياتها وتفضيلاتها أو أولوياتها عن برامج الحكومة وأولوياتها وتفضيلاتها “حاجات مختلفة بالنسبة للبرامج الحكومية أو تفضيلات مختلفة في ما يتعلق بأنواع البرامج التي تطلبها الحكومة” ، فلعلّه من الأفضل أن يتم تنفيذ هذه البرامج على المستوى الإقليمي، ومن الأمثلة على ذلك برامج التربية الابتدائية والثانوية الموجهة نحو تعليم وترسيخ ما يميز كل إقليم .. _ الإنصاف والمعايير الوطنية؛ قد يكون من المهم بالنسبة لبعض البرامج أن يتمتع المواطنون كافة بحق الوصول إلى الخدمات نفسها بغض النظر عن مكان سكنهم وذلك لأسباب تتعلق بإرساء العدالة والإنصاف فيما بينهم، ومن الأمثلة على ذلك الرواتب التقاعدية، ففي معظم الاتحادات الفدرالية تقدم الحكومة الوطنية هذه الرواتب بنفسها، ومرد ذلك إلى كونه يعد حقاً من حـــقوق المواطنة .. يتبع..

اترك رد