الفيدرالية – الديمقراطية- بناء الدولة – الإقتصاد – والتنمية المستدامة(6)

0 275

د. علي مهيوب العسلي
لقد تحدثنا في المقال السابق عن الديمقراطية وتعاريفها وعن المجتمعات التي تمتاز بالثقافة الديمقراطية ومن ارتباط الفيدرالية بالديمقراطية فلا يمكن أن تحقق الفيدرالية نجاحا يذكر مالم يتوفر نظام ديمقراطي تعددي يراعى فيه حقوق الانسان .. وفي هذا المقال سنعرج على بناء الدولة الفيدرالية سنبحث في جوهرها عوضاً عن شكلها ولنترك الحديث عن الرؤى المقدمة لشكل الدولة ومسألة الخلافات لحين اسقاط هذه المفاهيم التي نقدمها على الحالة اليمنية .. لننطلق لإلقاء نظرة على طريقة تفويض مختلف مستويات الحكم بسلطات معينة وممارستها لها.. و يهمنا أن نستوعب ونفهم توزيع السلطات في مختلف النظم الفيدرالية وهي على النحو الآتي:
(أ‌) توزيع السلطات في معظم الانظمة الفيدرالية : _ قوائم الاختصاصات التشريعية: يوزع الدستور الفيدرالي في أغلب الأنظمة الفيدرالية الصلاحيات بين المؤسسات الفيدرالية وبين والوحدات المكونة للفيدرالية ، بناء على قائمة أو أكثر من قوائم الاختصاصات التشريعية التي يُحددها الدستور (إما في متن النص أو في جداول في نهاية النص)..؛ فتوجد قائمة واحدة فقط في بعض البلدان كالأرجنتين وأستراليا وباكستان والولايات المتحدة؛ بحيث تُعدِد المجالات السياسية التي تتمتع المؤسسات الفيدرالية بالسلطة عليها. ويبقى كل ما ليس ممنوحاً صراحة للسلطات الفيدرالية في تلك القائمة، من حيث المبدأ، حكراً على الوحدات المكونة. أما في بلدان أخرى مثل كندا، فهنالك قائمتان: قائمة بالصلاحيات المنوطة تحديداً بالمقاطعات، وأخرى بالصلاحيات الممنوحة صراحةً للسلطة الفيدرالية. وكل ما تبقى من صلاحيات فيكون من اختصاص السلطة الفيدرالية، أي تعتبر كل الأمور فيدرالية من حيث المبدأ، سواء ظهرت على القائمة الفيدرالية أم لم تظهر، إلا إذا نُصّ صراحة على أنها من صلاحية المقاطعات.. وقد تكون هناك أيضاً قائمة بالصلاحيات المشتركة، كما هو الحال في الهند ونيجيريا وجنوب أفريقيا، وفيها يمكن لكل من السلطة الفيدرالية وسلطات الولايات/الأقاليم أن تُشرع بشأنها. وفي حالة التضارب بين التشريعين، فالعرف المعتاد هو أن يغلب التشريع الفيدرالي على تشريع الولاية/الإقليم..، بشكل عام، يمثل تعداد الصلاحيات المشتركة نموذجاً من أنواع الفيدراليات الأكثر اندماجاً ومرونة. وهو يسمح بإيجاد تنوع براجماتي في التوزيع الفعلي للوظائف والصلاحيات بين مستويات الحكم المختلفة.. السيادة: فإذا نصّ الدستور على صلاحيات مشتركة، فيجب أيضاً من أجل تفادي التنازع أن يُحدد أي مستوى من الحكم له السيادة في حال حدث أي تضارب أو تنازع بينهما. فإذا كانت السيادة للمستوى الوطني أو الفيدرالي (المانيا والهند)، فيغدو مجال السلطة التشريعية المشتركة هو أساساً ذاك الذي تختاره السلطة التشريعية الفيدرالية من خلال عدم تدخلّها بأن تتركه للولايات. ويمكن للمستوى الفيدرالي أن يتدخل في أي وقت لفرض إرادته على الأمور المشتركة. ومن جهة أخرى، إذا كانت السيادة لمستوى الولايات أو المقاطعات أو الأقاليم وهو أمر نادر، لكنه وُجِد مثلاً في دستور العراق لعام (2005 )، فعندها تكون السلطة المشتركة هي تلك التي تختار السلطات التشريعية المحلية أن تتركها للسلطة التشريعية الفيدرالية أو الوطنية. ويمكن في أي وقت أن تسترد الأولى السلطة من المركز، وأن تفرض سلطتها التشريعية على مسألة مشتركة.. الصلاحيات المتبقية: بما أنه لا يمكن النص تشريعيا على كل مجال من مجالات السياسات، وبالتالي فإن الدستور يُحدد أيضاً الجهة المسؤولة عن الصلاحيات المتبقية أو غير المحددة. ففيما يُدعى بفيدراليات «التجمع معاً »، تكون تلك الصلاحيات عادة بيد الولايات أو الأقاليم المكونة (كالولايات المتحدة)، في حين يناط بها في فيدراليات «البقاء معاً » للمستوى الوطني أو الفيدرالي عامة (الهند).. نقل الصلاحيات التشريعية: إن قوائم الصلاحيات ثابتة حتى لو نص الدستور على وجود قوائم مشتركة. ولتجسيد احتياجات المجتمعات المتغيرة والظروف السياسية المتقلبة، ينص بعض الأنظمة الفيدرالية على نقل الصلاحيات بصورة محدودة بين مستويات الحكم بوسائل قانونية. ويقدم الدستور الهندي عدة أمثلة على أحكام من هذا القبيل.
(ب‌)توزيع السلطات التنفيذية: من المعتاد أن يعكس توزيع الصلاحيات التنفيذية توزيع الصلاحيات التشريعية، بحيث تكون السلطة التنفيذية الفيدرالية مسؤولة عن إدارة البرامج وتنفيذ القوانين التي تسنها السلطة التشريعية الفيدرالية، بينما تكون السلطات التنفيذية المحلية مسؤولة عن إدارة وتنفيذ القوانين التي تسنها السلطات التشريعية المحلية..

(ج) أي صلاحيات يجب أن تمارس، وعلى أي مستوى؟ : في جميع الحالات تقريباً، تتمتع السلطات الفيدرالية بمسؤولية حصرية عن أمور مثل الدفاع والسياسة الخارجية والمواطنة والهجرة وقضايا الاقتصاد الكلي (كالعملة والتجارة الخارجية). وفيما عدا ذلك، يتفاوت مستوى توزيع الصلاحيات بين مستويات الحكم المختلفة كثيراً؛ ويسود اتجاه عام في أحدث الدساتير الفيدرالية نحو منح المستوى الفيدرالي مزيداً من السلطات بما يتماشى مع منح دور أكبر للحكومة في المجتمعات الحديثة ..؛ ولكن في بعض الفيدراليات «البقاء معاً » يغلب اتجاه معاكس بشكل واضح، لأن المناطق المتباعدة سعت لتوسيع سلطاتها على حساب السلطات الفيدرالية أو الوطنية (بلجيكا وإسبانيا). وعملياً، يتوقف الكثير على درجة وشدة الطلب على الصلاحيات اللامركزية وعلى القوى التفاوضية لكل طرف..
(د)الآثار الاجتماعية والاقتصادية لتوزيع السلطات: تتباين الدساتير من حيث مدى إضفائها رسمياً لطابع المركزية على الصلاحيات المتعلقة بالاقتصاد والخدمات العامة وبرامج الضمان الاجتماعي: _ فالدستور الأميركي لا ينص على منح المستوى الفيدرالي صلاحية أمور من قبيل الضمان الاجتماعي أو إعانة الفقراء أو قانون التشغيل أو الرعاية الصحية أو التعليم العام أو النقل أو السياسة البيئية، بل هي جميعاً من اختصاص الولايات. فإذا حدث وشاركت حكومة الولايات المتحدة في هذه الحقول، فإنها تفعل ذلك عادة من خلال التطبيق المرن لسلطتها في «تنظيم التجارة بين الولايات » أو من خلال تحويلات مالية مشروطة إلى الولايات. _ على العكس من ذلك، عُدل دستور أستراليا عام 1946 ليمنح البرلمان الفيدرالي سلطة سن القوانين فيما يخص معاشات العجزة والمسنين، وإعانات الأمومة والأرامل والأطفال والبطالة والأدوية والأمراض والاستشفاء، والخدمات الطبية والأسنان…، وإعانات الطلاب والأسرة ..وهذا يعني، أنه لا توجد عقبات دستورية أمام وضع سياسات وطنية تقدمية في هذه المجالات. _ بما أن الدساتير، إضافة إلى أنها تحدد القواعد القانونية، وثائق سياسية تشير إلى الغاية، وتعبر عن الهوية، فإن الإقرار الصريح بأن الحكومة الفيدرالية مسؤولة عن الخدمات العامة وسياسات الضمان الاجتماعي والرفاه العام يعزز السبب السياسي لممارسة صلاحيات فيدرالية واسعة في تلك المجالات السياسية من أجل رفع المعايير الوطنية..
(هـــ) التطور والقدرة على التكيف :_ لا يستطيع واضعو الدساتير دائماً أن يحددوا أو يتنبؤوا بنجاح كيف سيتطور توزيع الصلاحيات مع الوقت. فعلى سبيل المثال، كانت النية في كندا أن تغدو دولة فيدرالية مركزية تُمارس فيها جميع الصلاحيات على المستوى الفيدرالي ما عدا صلاحيات قليلة تُفرد خصيصاً للمقاطعات، كما كانت النية أن تصبح الولايات المتحدة دولة فيدرالية لامركزية يكون الحجم الأكبر من الصلاحيات فيها بيد الولايات. لكن تاريخيا هذين البلدين ابتعدا عن نوايا واضعي الدستور الأوائل، إذ بمرور الوقت أصبحت الولايات المتحدة أكثر مركزية، فيما باتت كندا أقل مركزية. ويعود هذا التغير في جزء منه إلى قرارات قضائية، وأيضاً إلى اعتبارات ظرفية من قبيل أن الولايات المتحدة، على عكس كندا، شهدت حرباً أهلية حول مسألة الانفصال وغدت قوة عسكرية عظمى، وأن كندا، على عكس الولايات المتحدة، تضم أقلية لغوية ثقافية كبيرة متمركزة إقليمياً. ويمكن أيضاً أن يؤثر نظام الأحزاب السياسية – من حيث عددها وقوتها النسبية واستقطابها الأيديولوجي وتنظيمها الداخلي – في تطوير اللامركزية الواسعة بطرق يصعب على واضعي الدستور تحديدها أو التنبؤ بها. وإذا كان تنظيم الأحزاب وقيادتها يجريان على مستوى وطني/فيدرالي، بحيث تتصرف الأحزاب على مستوى الإقليم/الولاية/المقاطعة باعتبارها مكاتب فرعية لها، وإذا كانت المجموعة نفسها من الأحزاب تتنافس انتخابياً في أجزاء مختلفة من البلاد، يمكن أن تغدو الأحزاب بمثابة قنوات مهمة للوحدة وتجميع المصالح وتنسيق السياسات..
نختم فقول : لاشك ان المشكلة الدستورية الرئيسة التي تظهر في الدول الفيدرالية هي تحديد مقدار الاستقلال في الاختصاصات للوحدات المكونة لهذه الدولة ، أو تحديد وتوزيع الاختصاصات بين مؤسسات حكومة المركز وحكومات الوحدات المكونة للدولة الفيدرالية فهناك بشكل عام ثلاث طرق اساسية تسير عليها الدول الفيدرالية في توزيع الاختصاصات بين حكومة المركز والولايات أو الاقاليم أو الوحدات المكونة وهي على النحو الاتي :- أولها : ان يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات حكومات الولايات أو الاقاليم او الوحدات المكونة على سبيل الحصر وما عداها يكون لحكومة المركز ، وهذه بطبيعة الحال تؤدي الى توسيع اختصاصات المركز وتقويته مع مرور الزمن ، كما هو حال كندا وفنزويلا .- ثانياً: ان يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات حكومة المركز حصراً وما عداها يكون للولايات او الاقاليم او الوحدات المكونة ، وهذا يوضح حرص الاخيرة على دعم كيانها وسيادتها الداخلية أكثر من حرصها على دعم الاتحاد وتقويته ، وبهذا اخذت الولايات المتحدة الامريكية وسويسرا . _ ثالثاً: ان يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات كل من حكومة المركز وحكومات الولايات أو الاقاليم أو الوحدات المكونة على سبيل الحصر ، وهذا التقسيم معيب بأنه ما يستجد من اختصاصات لم يتناولها الدستور ستكون سبباً في اثارة خلافات حولها بين المركز والوحدات المكونة ، وعولجت هذه العيوب بوضع بعض الاختصاصات المشتركة بينهما تمكن الاقاليم من ممارسة الاختصاص تحت اشراف ورقابة المركز.. يتبع القضاء والفيدرالية المالية بعون الله تعالى وتوفيقه..
صوما مقبول ..وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ..وجمعة مباركة..

اترك رد