الفيدرالية – الديمقراطية – توزيع الثروة والفيدرالية المالية (26)

0 260

د. علي مهيوب العسلي

تواصلا مع الحلقات السابقة .. أما بخصوص ما يخص مسؤوليات جمع الإيرادات ؛ فبنفس الاسلوب المتبع نسلط الضوء على تجارب بعض الدول الفيدرالية، ومن ثم التطرق إلى العوامل الواجب دراستها في هذا المجال . إن تجارب بعض الدول الفيدرالية في هذا الشأن تُشبه الى حدما مسؤوليات الإنفاق، فهي تختلف اختلافا واسعاً فيما بين الدول الاتحادية من حيث تقاسم السلطات للمسؤوليات بخصوص جمع الإيرادات سواء من قبل الحكومة المركزية أو بينها وبين باقي الحكومات الإقليمية، ففي بعض الدول ؛فإن حكومات الأقاليم قد تتولى مسؤوليات تجميع الايرادات بدرجة أكبر من مسؤولياتها في عملية الانفاق ..!؛ بينما في دول أخرى، نجد أن الحكومات الإقليمية تجمع حصة كبيرة من الإيرادات، وتنفق على معظم برامج الانفاق؛ فكندا هي من هذا النوع ، حيث تطبق الحكومات الإقليمية معظم برامج الإنفاق، وتجمع أكثر من نصف الإيراد بقليل، أما في الولايات المتحدة الأميركية، فتنفق الحكومة الوطنية المبلغ الأكبر، وتجمع أغلب الإيرادات، أما في ألمانيا، فتجمع الحكومة الوطنية معظم الإيرادات، لكن الحكومات الإقليمية تدعم جزءاً كبيراً من البرامج العامة. وإذا ما نظرنا الى العوامل الواجب دراستها فهي : _ المساءلة؛ فالأنظمة الديمقراطية تحقق نجاحات كبرى في مسألة المساءلة ، إذ يتولى المواطنون في تلك الدول بأنفسهم مساءلة الحكومات حول طريقة إنفاقها للمال العام، وتشتد المساءلة في حال كانت الحكومة هي التي تتنفذ برنامجا ما ،وهي نفسها التي تُجمع الإيراد اللازم لتمويله . _ قابلية التحرك لدى دافعي الضرائب؛ بما أن المجتمعات ديمقراطية والقوانين راسخة ومتينة ، فإن دافعي الضرائب لديهم القدرة والمرونة للتحرك وإدارة مشاريعهم بطريقة تجعلهم يدفعون الحد الأدنى من الضرائب، فعلى سبيل المثال اختيار مكان المصانع قد يقلل الضرائب عليهم ،بمعنى أنهم يدرسون القوانين والميزات ويفاضلون فيقررون ،فتأخذ الشركات بعين الاعتبار مستوى الضرائب حين تقرر أين يجب إنشاء المصانع الجديدة؟؛ وغير ذلك من الاستثمارات، فإن كانت الضرائب متساوية انتفى البحث عن المكان الذي سيقام فيه المصنع ،ولعلّ دافعي الضرائب (رجال الأعمال) يرغبون ، أن يحصلوا على معاملة ضرائبية متساوية في أنحاء الاتحاد الفدرالي بأكمله حتى يسهل عليهم التنقل بين الأقاليم المختلفة دون دفع تكاليف اضافية . _ إعادة التوزيع؛ عادة ما تنفذ الحكومات الوطنية والإقليمية عملية إعادة التوزيع بين الأفراد من خلال فرض ضريبة على الدخل، أما إذا كانت قدرة الأقاليم على توليد الإيرادات مختلفة اختلافا جذريا فيما بينها ، فمن الضروري أن تمتلك الحكومة الوطنية القدرة على جمع ما يكفي من الإيرادات لتحويل الموارد إلى الأقاليم الأقل حظاً، وكذلك من أجل تمويل (إنفاق ) ما يخصها من مسؤوليات. إذاً فجمع الإيراد هو مهم بالنسبة لتمويل الخدمات العامة، ليس ذلك فحسب، بل وحتى فيما يتعلق بتحديد الحصص التشاركية في تحمل عبء التكاليف الحكومية أيضا، وبشكل متساو بين الأفراد والأقاليم،. _ ملكية الموارد الطبيعية؛ إنه من الصعوبة بمكان نقل المورد الطبيعي ،بل من سابع المستحيلات عمل ذلك ،ومن اللافت في الأمر كذلك أن نجد في عديد الدول أن المورد الطبيعي عادة ما يتركز في بعض الأقاليم ،هذا الشيء قد يشكل مشكلة في بعض، ولذلك تلجأ الاتحادات الفدرالية لإيجاد آليات لتحقيق العدالة بين الأقاليم، على اعتبار أنه من المستحيل نقل الموارد الطبيعية، ففي مثل هذه الحالات، فإن الحكومات الوطنية تحتاج..؛ أما إلى طرح التشارك في إيرادات المورد الطبيعي، وإما إلى تأمين إيراد كاف من مصادر أخرى، وذلك من اجل معالجة قضايا العدالة من جانب ؛ والإيفاء بمسؤوليات الإنفاق الخاصة بالحكومة الاتحادية من جانب أخر . _ المحافظة على انخفاض التكاليف الإدارية وتكاليف الالتزام؛ ينبغي من أجل جباية الضرائب على الأفراد والشركات ،أي دفع الضرائب المفروضة ايجاد نظام سهل ومرن ذو تكاليف التزام منخفضة، ويتمتع بأكبر قدر ممكن من الفعالية _تكاليف إدارية منخفضة_ ؛ فيفترض أن الحل الأكثر فعالية هو اعتماد وحدة واحدة لجباية الضرائب عوضاً عن إنشاء كل إقليم نظام جباية خاص به..؛ بغض النظر عن الجابي للضريبة ؛ سواء أكانت الحكومة الوطنية أو الإقليمية هي الجابية للإيرادات من ضريبة معينة، . أما إذا ما اتجهنا نحو الاقتصاد وادرته ؛فالسؤال المهم هنا “ماهي المسؤوليات الي يجب أن تتحملها الحكومات المركزية والإقليمية لإدارة التقلبات في الاقتصاد؟:؛ إن الحكومات الحديثة تحاول إدارة التقلبات الاقتصادية باستخدام السياسة النقدية (وهو التحكم بالعملة المتداولة ومعدلات الفائدة وسعر الصرف) والسياسة المالية (وهو التحكم بالإنفاق الحكومي والنظام الضريبي وإدارة الديون)،والتي تم شرحها بشكل كاف وواف فيما سبق ،لكن هنا فقط نشير إلى أن كل الاتحادات الفيدرالية غالباً ما يتحكم البنك المركزي بالسياسة النقدية ،على المستوى الوطني والذي عادة ما يكون مستقلاً عن الحكومات المركزية والاقليمية..؛ بينما السياسة المالية هي مسؤولية مشتركة بين الحكومات المركزية والإقليمية.. فعادة ما يتم تحويل الأموال الكترونياً بواسطة أجهزة الحاسوب الخاصة ،أي يصعب التحكم والسيطرة برأس المال والسلع فهما يتدفقان تدفقاً حراً بين أقاليم الاتحاد الفدرالي، وبالتالي فمن المستحيل فعليا على الحكومات الإقليمية أن تدير سياسة نقدية مستقلة، ونظرا إلى أن الحكومات الوطنية هي التي تتحكم بمورد العملات فيمكنها أن تبسط نوعا من التحكم على الاقتصاد من خلال السياسة النقدية، لكنها في ظل بيئة من الأسواق المالية العالمية تجد الدول نفسها أمام بعض القيود أثناء اتخاذ قرارات السياسة النقدية . _ السياسة المالية ؛ عند الحديث على السياسة المالية نجد أنه عمليا تحاول كلتا الحكومتين الوطنية والإقليمية في الاتحادات الفدرالية أن تدير التقلبات الاقتصادية اعتمادا على السياسة المالية فيعتمد حجم جهودهما على حجم التقلبات ومصدرها وإيديولوجية الحكومة السياسية وقدرتها على معادلة التقلبات وقد تكللت الآليات السياسية لتنسيق السياسة المالية بالنجاح في بعض الاتحادات الفدرالية كأستراليا مثلا، ومن المهم التمييز بين سياسة الاستقرار (الناشط) –حيث تتعمد الحكومات تغيير مستوى الإنفاق ومعدلات الضرائب للمحاولة بالتأثير على معادلة التقلبات في الاقتصاد ولو جزئيا ـ وسياسة الاستقرار (الآلي) فقد أثبتت سياسة الاستقرار الناشط أنها غير فعالة بشكل كبير باستثناء بعض الحالات التي تكون فيها التقلبات كبيرة للغاية وذات مدى بعيد، ولعل السبب الأبرز لذلك هو عجز الحكومات عن التصرف بالسرعة الكافية بهدف بسط التأثير المطلوب عند الحاجة، أما سياسة الاستقرار الآلي فتطبق كلما كان الإنفاق الحكومي والضرائب حساسة تجاه الظروف الاقتصادية، فعلى سبيل المثال تنهار إيرادات ضريبة الدخل حين تتباطأ عجلة النمو الاقتصاد بما يعادل جزئياً تأثير التباطؤ في القطاع الخاص ويمكن لكلا المستويين الحكوميين أن يتخذا في العادة تطبيق هذا الاستقرار الآلي ._ إدارة الدين ؛ هي أداة مهمة من أدوات السياسة المالية، وتستخدم عادة الاستدانة من اجل معالجة التقلبات الاقتصادية ، وتمويل رأس المال المستثمر، ، غير أن الأدلة من الاتحادات الفدرالية الناشئة تثبت أن الحكومات تحتاج إلى وضع نظام يمنع الدين من التحول إلى مصدر للمشكلات الاقتصادية والمالية عوضا عن حل لها، في هذه الحالة أيضا فإن تنسيق السياسة المالية يعد عنصرا حاسما للنجاح .وقد تحتاج كلتا الحكومتين الوطنية والإقليمية إلى إرساء قواعد واضحة للسيطرة على الاستدانة مع فرض عقوبات محددة على من قد ينتهك القوانين، ولعل توفر المعلومات الدقيقة والمحدثة حول مستويات الإنفاق الحكومي ،والإيرادات ،والدين ، قد يفضي إلى إدارة كفؤة وبالتالي احراز نجاح حاسم في السياسة المالية ،كما ينبغي التنبيه إلى عدم استدانة الحكومات الإقليمية من شركات تملكها أو تتحكم بها (مثلا المصارف أو الشركات التجارية التابعة للقطاع الرسمي) نظرا إلى أن ذلك سيحد من الشفافية والمساءلة. فضلاً عن ذلك، فمن المفضل اعتماد سياسة واضحة تمنع (الإسعاف) أي إنقاذ مؤسسة من مأزق مالي، كي يعرف المقرضون أن الحكومة المركزية لا تقدم أية ضمانة، سواء صريحة أو ضمنية، للدين الحكومي الإقليمي، فمن شان هذه السياسة أن تساعد المقرضين على فهم طبيعة المخاطر التي يقبلونها، كما تعود بالفائدة على الحكومات الإقليمية بصفتها تتولى إدارة مالية حذرة… يتبع..

اترك رد