المغالطات المنطقية

0 208

د. عبدالقوي القدسي

نتلّقى يومياً رسائل هائلة بإرادتنا أو بغير إرادة منا، عبر وسائل الاتصالات، والتواصل الاجتماعي وقنوات التلفزة وغيرها ، ونلتقي أحياناً في حلقات نقاش وندوات، ومؤتمرات وحوارات.

أشرنا في مقالات سابقة إلى أن التفكير الناقد ينطلق من دراسة المقدمات والأسباب والوصول إلى الاستنتاجات، والسير بهذه الطريقة ليس بالضرورة دليلاً على سلامة الحجة ، فأكثر المغالطات تحدث عندما يكون المنطق المستخدم غير سليم، والتفكير غير السليم هوالمنغمس في المعايير المزدوجة، وفي الشخصنة، والمعتمد على المغالطات والتحيز والتعصب .

في كتابها “التفكير الناقد” أشارت أسمهان النويهي إلى ثلاثة أقسام من المغالطات، وهي : المغالطات الناشئة عن غموض اللغة، والمغالطات الناشئة عن الحكم، والمغالطات الناشئة عن رد الفعل.

لن نُفصل في كل تلك الأقسام وإنما سنشير إلى أهم المغالطات الشائعة التي يجب الانتباه عند حدوثها، وهي في الغالب تندرج تحت المغالطات الناشئة عن الحكم.

تتحدث مع شخص في موضوعٍ ما، وتقدّم فكرتك بشكل منطقي، وإذا به يترك تلك الفكرة، ويهاجم شخصك مباشرة ، ماذا نسمي مثل هذا؟ ولماذا يتم اللجوء إلى مثل هذه المغالطة ؟!!

مغالطة”الشخصنة” وتسمى أحياناً: “انظر من يتكلم ” يلجأ إليها عادة من لا يمتلك حُجة قوية، ويعاني من مشكلة في منطقية حُجّته، فما أسهل أن يُرضي غرور نفسه، وأن يُشبع عقدةَ النقص فيه بالنيل من شخصك؟!!!

ونحن نتابع بعض الحوارات أو نتناقش في بعض القضايا فسرعان ما يرد العاجزون بالقول : أنت متطرف،إخونجي، داعشي، أو أنت علماني ، ملحد، تنويري ، قرآني ،تحرري. هذه المغالطة لا يُستهدف بها الطرف المحاور للفكرة بقدر ما يستهدف بها الجمهور ، والتعامل مع مثل هذه النوعيات هو عدم الانجرار مع شخصنتهم؛ إذ إن الخطورة تنشأ عندما يتحول النقاش حول الفكرة إلى النقاش حول الأشخاص، وحال اكتشاف المُشاهِد أو المستمع تلك المغالطة فعليهم أن يبصقوا في وجه المغالِط لا أن يصفقوا له، فالفكرة كالحكمة أنّا وجدها المؤمن كان أحق الناس بها.

“مغالطة الرجل القش” وهذه المغالطة تعتمد على حرف الحجة القوية للطرف الآخر إلى موضوع آخر، ثم يقوم المغالط بالهجوم على قضية جانبية بُغية هدم الُجة الأصلية، وعلى سبيل المثال :نفترض أن وزارة التربية والتعليم قررت إدخال نظام البصمة الإلكترونية إلى جميع مدارسها؛ حتى تنضبط العملية التعليمية والحضور والغياب، فما الذي يحدث لدى بعض المغالطين؟!! يتجاهل كل ما بني على القرار من معطيات منطقية ، ويحرف الموضوع، ويقول: أوضاع التربويين مأساوية، فلا رواتب كافية، ولا حقوق ، وأعمال مرهقة، ويبدأ بحرف البوصلة إلى مناقشة هذه القضايا لوأد الفكرة القوية الأساسية، وهي نظام البصمة، وفي مثل هذه المغالطة يحسن عدم القبول بمناقشة النقاط الفرعية، والتركيز على الفكرة الرئيسة، وسلبياتها وإيجابياتها، وأما القضايا الأخرى فيمكن مناقشتها في حوارات مستقلة .

مغالطة المنحدر الزلِق( أنف الجمل) قال البدوي بنفسه:” إذا تركت الجمل يدس أنفه في خيمتي في هذه الليلة الباردة، فإنه يوشك بعد ذلك أن يدس رأسه كله، ثم لا يلبث أن يدس رقبته، وسرعان ما أجد الجمل برمته وقد اقتحم عليّ خيمتي”.
مغالطة المنحدر الزلِق تعني أن فعلاً ضئيلاً أو تافهاً بحد ذاته ، سوف يجر وراءه سلسلةً محتومة من النتائج الكارثية، ومن الأمثلة في حياتنا اليومية: إذا استثنيتك أنت من هذا القرار فسوف يكون عليّ أن أستثني الجميع ، أو إذا أقرضتك اليوم مبلغاً فسوف تقترض مني غداً أكثر فأكثر حتى تأتي على كل ثروتي .[عادل مصطفى، المغالطات المنطقية].
قد يبدو للقارئ منطقية المغالطة لأول وهلة ، والحقيقة أنها مغالطة كبيرة يلجأ إليها البعض للتهرب من بعض الالتزامات .فكوني أقترض منك للمرة الأولى لا يعني بالضرورة أن أعود إليك مراراً حتى أُهْلك مالك. حدثني أحد المُوسرين قائلاّ: يأتي إليّ الكثير ليقترضوا مني فأقول لهم لستم وحدكم من يأتيني، ولو أعطيتكم جميعاً فلن يبقى معي شيء يكفيني.الحقيقة أنه لا يريد الإقراض، ولكنه لا يمتلك الشجاعة الكافية للاعتذار أو أن هناك اعتبارات أخرى لديه ، وفي المقابل لا يمكن للشخص أن يقرض كل ماله، هذه استحالة منطقية!

إن مغالطات الصحف ووسائل الإعلام مذهلة، والذباب الإلكتروني المستأجر، أو أولئكم الحمقى الذين يعملون بلا أجرة وإنما ينساقون وراء قوة الإشاعة، عادة يُدلسون على الناس، فلو حدث تفجير أو حادثة اغتيال في مكانٍ ما ، فكيف ستتناول الصحف الحزبية، والقنوات المؤدلجة هذا الخبر ؟!!!! لك أن تتخيل ، مباشرة كل جهة تنسب للجهة الأخرى الفعل السيء، وأبواقها يلقون التهم بكل بصفاقة، كل فريق ضد خصمه، وقد كان الأوْلَى هو التَريّث وتبيّن صحة الأخبار قبل إلقائها جزافاً “فالتسرع مغالطة منطقية”. وعليه فالعاقل هو من يتأنّى قبل تصديق أي خبر أو نقله، فالفخ الإعلامي خطير وشره مستطير.نتعرض -يومياً- إلى مغالطات في الإعلام، وفي العمل، والسوق، ومع الجيران وفي كل مكان، والتعرف على أنواع المغالطات تساعدنا على حسن التعامل معها، وتجنبنا من الوقوع في فخاخها، وكما قيل: “المؤمن كيِّسٌ فطِن “.

اترك رد