ثقافة إعادة انتاج القداسة

0 505

د- عماد الشميري

مرت العديد من الإحتفالات الوطنية للشعب الماليزي، على سبيل المثال لا الحصر، عيد الإستقلال الوطني لكننا لم نرى مثلا الشوارع و الطرقات و الأزقة تعج بالملصقات العملاقة لصور أول رئيس وزراء ماليزي بعد نيل الإستقلال أو صورا لباني نهضة ماليزيا الحديثة..؟! يحتفل الماليزيون سنويا في كل أرجاء المملكة، نهارا تترائى أمام الأعين أعلام الدولة الماليزية الموحدة في معظم الطرقات و واجهات و أسطح بعض المنازل و السيارات، أما ليلا تحلق الألعاب النارية ملئلئة السماء لتزيد الأجواء إبتهاجا و فرحا، لم تتكحل أعيننا بملصقات صورية مصغرة أو مكبرة لقادة ماليزيين كانوا سببا في نقل ماليزيا إلى مصاف الدول الحضارية المتقدمة..؟!

بينما في كوكبنا اليمني الحضاري الراقي سوف لن تفارق مقلتي عينيك بركة رؤية السادة المسؤولين العظام (الرؤساء و الوزراء و السفراء) في بوسترات عملاقة تفوق حجما و أهمية حتى العلم الوطني للجمهورية..!!

ما الجدوى من إرسال برقيات التهاني إلى الفخامات و السيادات..؟! و ما الجدوى من الإنفاق على مناسبات صورية و هنالك من لا يجد ما يسد به قوت يومه..؟!
و ما جدوى الخطابات التقديسية الرنانة في المناسبات أمام بريق عدسات الكاميرات و الصحافة و هنالك في الضفة الأخرى العشرات ممن يخافون أن يظلون صائمون إلى أجل غير مسمى بسبب الفاقة و الحاجة..!!

في القاموس اليمني الأمور تسير على النقيض تماما، رغم كل الدروس الدامية و الأليمة التي لا يزال كافة أطياف الشعب اليمني يدفعون ضريبتها من دماء و أشلاء أجساد اليمنيين البسطاء الطاهرة حتى الآن، لا يزال و بغباء منقطع النظير يعشعش في عقول و مخيلة البعض بقية مما تركته رواسب الممارسات البائسة للماضي القريب، للأسف حتى لدى أولئك المصنفون بالأكاديميين و النخبة المفكرة ، حيث لا زالت متسخة بعناكب و أتربة الماضي و على مساحة شاسعة منها، فهم لا يجيدون إتقان تقمص أدوار المتزلف *المصلحجي* فحسب، بل يذهبون بعيدا ليصبحون مزامير رديئة الجودة و أبواقا جوفاء مزعجة تمجد السادة المسؤولين ذوي النعمة و المنة و الفضل دون أي شعور بالخزي و الخجل مما أوصلتنا إليه هذه الممارسات البدائية الحمقاء..!!
و بسذاجة غريبة و على نفس خطى العبودية العربية التقليدية نعاود نحن اليمنيون في الداخل و الخارج التهليل بالإشتراك في ممارسة شعائر العبادة و التقديس ذاتها ولكن لآلهة أخرى و بنفس الوتيرة..!!
و يستمر قطاع عريض من المتزلفين و أخرى من الأذكياء المنتفعين ركوب موجة جني المصالح الذاتية و يتم إستدراج السواد الأعظم من البسطاء المؤلفة عقولهم للإستجابة لدعوات حشرهم زرافات بطريقة تقليدية بالية لغرض التواجد في تلك المناسبات الديكورية لتكتمل أركان شعيرة التبجيل و تبارك الصلوات الجماعية لإظهار فروض الطاعة و الولاء للسادة المسؤولين صناع القرار في الداخل عبر عدسات كاميرات و نصوص أخبار الآلة الإعلامية التي تستمد وقودها من مافيا الأيدلوجيات الحزبية و المصالح السياسية المشتركة.
كأن الأجدر بنا البحث عن سبل لإستغلال الإمكانات المتاحة سواء المالية منها او البشرية لردم جزء من فوهة المعاناة الإنسانية المزرية التي تفتك بالجميع، نعم كان الأولى تدشين مشروعا إنسانيا خيريا لستر من يمكن ستره من اليمنيين المسحوقين البسطاء تحت وطأة هذه الظروف الإستثنائية الطاحنة.
أما نهج سياسة التفريخ و التدجين الذي آل بنا إلى ما نحن عليه من بؤس و شقاء و ذل و هوان، و جعل الفقر و الجوع ينهشنا و الخوف يحاصرنا، و النزوح بحثا عن الأمن و الأمان في أصقاع الارض المختلفة مصيرنا.
و الإصرار على المضي قدما لإعادة إنتاج تلك السياسة مع إختلاف بعض الأقنعة و الأسماء لن يأخذنا سوى إلى نفق أشد سواد و قتامة مما نحن عليه الآن.

من لم من يتعض من الماضي فلن يرحمه المستقبل

قال الله تعالى:

{ *وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِين* } [الذاريات:55]

اترك رد