جناية “الصحوة الاسلامية

0 200

الصحيفة: اختياراتنا

الكاتب: كمال حيدرة

حتى منتصف السبعينات كان العرب يمشون في ما يمكن أن نسميه (طريق العالم).
لم يكن الفارق كبيرا بيننا وبين العالم، حتى تصاعد تلك الموجة المدمرة التي أسماها أصحابها “الصحوة الاسلامية”.
نعم كانت امريكا قد وصلت القمر، لكنها وصلته وحدها، وكانت أيضا لا تزال تعاني من مشكلة التمييز العنصري في مجتمعها، هذا يعني أنه لم يكن الفارق كبيرا بيننا وبينهم.. حتى تلك اللحظة كنا لا نزال نعيش مع شعوب العالم على كوكب واحد.
في منتصف السبعينات كان العقل العربي قد انفتح على العالم، وصار بإمكانه تقبل الولوج الى العصر، وكان التحديث السياسي، والتقدم الاقتصادي، هو المرحلة التي ستعقب التحديث الاجتماعي (حتمية تاريخية).
كانت الأنظمة القائمة آنذاك استبدادية / سلطوية، لكن ذلك الاستبداد كان سيصير شيئا من التاريخ مع أول حراك شعبي منظم يطالب بالحرية السياسية، بعد ان نكون قد أنجزنا الخطوة الأولى وهي بناء الدولة وإعادة تشكيل / ترتيب المجتمع.
ولكن.. جاءت عشرية السبعينات من القرن الماضي، ولم تنته الا وكنا أمام تحد سيبقى يلقي بآثاره حتى اللحظة وللمستقبل..
جاءت “الصحوة الاسلامية” فأعادتنا الى الخلف قرونا.
تصاعدت الموجة الصحوية مدعومة بأربع محطات رئيسية تعاقبت كلها في ظرف سنوات قليلة.
كانت البداية مع انقلاب السادات على إرث عبدالناصر، واستخدامه للحركات الاسلامية للقضاء على خصومه، واتخاذه لقب “الرئيس المؤمن”، معيدا تعريف العملية السياسية برمتها.. لينتهي به الأمر مقتولا على أيدي “الفئة المؤمنة” ذاتها!.
المحطة الثانية كانت (الفورة النفطية)، وتصاعد تأثير التيار الديني (الصحراوي) معتمدا على الدعم المالي الهائل الذي تلقاه لحظتها من بلدان النفط، وهو ماترتب عليه إعادة صياغة الخطاب الديني بما يتناسب ورؤية الممول، الذي كان يرفض كل ماهو قائما ويحاربه باعتباره خروجا عن الدين الاسلامي وتعاليمه.
أما المحطة الثالثة فكانت انتصار الثورة الاسلامية في ايران، وعلى الرغم من الاختلاف العقائدي بين الحركات الاسلامية الرئيسية في البلدان العربية وبين تلك الثورة، الا أن تأثيرها كان عظيما في المجال العربي.. فبالإضافة الى دورها في بعث الطائفية، وإنشاء جماعات شيعية تدور في فلكها داخل المجتمعات العربية، فقد مثلت أيضا تلك الثورة نموذجا بدا جيدا للحركات الاسلامية السنية، وقابلا للاستنساخ في بلدانها، مما ساهم في إضفاء الطابع الثوري على بعض الحركات الاسلامية العربية.
لم يكد ينتهي عقد السبعينات حتى كان الاتحاد السوفياتي، باجتياحه لافغانستان، يقدم أكبر دفعة لهذا الصعود المتعاظم للاسلاموية، وهي المحطة الأخطر على الاطلاق.. فيها تم مزج وتجريب نتائج المحطات الثلاث السابقة ليظهر لنا “فرانكشتاين الجهاد” الذي التهم الزمن العربي، وأفرغ طاقة الأمة وأهدرها، منتجا سلسلة من الجماعات الجهادية التي لا تزال تتناسل حتى اللحظة.

ترافق المد الناتج عن هذه المحطات مع وصول دفعة جديدة من الحكام العرب، وهم مجموعة من الحكام ناقصي الشرعية، والذين لا يحملون مشروعا..
كانت السياسات متشابهة، وعلى الرغم من أن معظمهم دخل في صراع مع هذه الجماعات، الا أنهم كانوا يمضون في نفس المشروع في مواجهة الجماهير.. تدمير العقل العربي، وايقاف الزمن عند نقطة معينة لا تختلف سوى في العام الذي تم ايقافه عندها في الحالتين.
تعددت أشكال الاعاقة التي سببتها الصحوة الاسلامية ولكن يمكن اجمالها في النقاط التالية:
– مخاصمة الدولة الوطنية باعتبارها صنيعة استعمارية، واستبدالها بمفهوم عبثي هو “الامة الاسلامية”، وجعل “الجماعة” في مواجهة “الدولة / الشعب”، وعلى الرغم من أن الخصام مع الدولة الوطنية العربية كان موجودا لدى القوميين أيضا، الا أنه لم يكن بتلك الاطلاقية التي أوجدتها الحالة الصحوية الاسلامية، اذ ان الفكرة القومية كانت تعترف بالدولة الوطنية وتراها أساسا لمشروع الوحدة العربية المنشودة، وهو مالم يكن متوفرا في مشروع الصحوة الاسلامية بأي شكل من الاشكال.
– مخاصمة الفكر والثقافة والفنون، فكم من مثقف تم تكفيره، وكم من فكرة جرى قمعها، ووصل الأمر الى قتل بعض المفكرين، ونفي بعضهم، والاعتداء على كثيرين.
وهنا أصبح المثال الذي يفترض بالشباب العربي التأسي به مشوها وموصوما بالكفر، فالفن والفلسفة حرام، والتفكير مهلكة قد يقودك الى الخروج عن الثوابت.. فلم تعد تنتج الأمة سوى المتشابهين والعقول الخاملة، وصار المثال المفضل للشباب العربي هو أن يكون “داعية”، وأي نكسة أخطر على أمة تحاول الخروج من واقعها السيء من هذه النكسة؟!!.

– أما أخطر تلك الاعاقات فقد كانت عملية اعادة هندسة العقل العربي.. قبل هذه الصحوة كان الانسان العربي يعرف أنه متخلفا عن العالم، ولكنه يبذل جهده لتجاوز حالته تلك، ويسعى للحاق، وبعد أن جاءت هذه “الصحوة” أصبح العربي لا يرى نفسه متخلفا، بل يرى العالم والزمن الراهن رجس ومعصية ينبغي مواجهته والانتصار عليه.
عاد الانسان العربي الى القرن السابع الميلادي، عائشا فيه، متمنيا أن يعود العالم الى ذلك الزمن، ليتمكن من هزيمته بنفس الأدوات التي هزم بها أسلافنا حضارات العالم القائمة وقتها!!.
هذه الجزئية تحديدا كانت مبتدأ كل خطيئة أوصلتنا الى هذا المآل الكارثي؛ اذ انها تعني الاحتفاء بالتخلف والمفاخرة به في وجه العالم.
جاءت هذه الفكرة لتمثل رديفا لسياسات الأنظمة القائمة، ليصبح “تنمية التخلف” هو الأسلوب الشائع والنمط الذي يسير فيه الزمن العربي، وهو ما أثمر أمة من البلداء العائشين خارج التاريخ.
– قبل “الصحوة الاسلامية” كانت الأمة تواجه قمع حكامها المستبدين عند المطالبة بالديمقراطية والحريات السياسية، أما بعدها فقد أضيف الى ذلك أن هذه الديمقراطية حرام وكفر، وهكذا سكن الشارع العربي ومات لأربعة عقود لاحقة، وحين ضاق به الحال وخرج مطالبا بها في “الربيع العربي” وجد أن الزمن قد تجاوز تلك المطالب، وأن الأنظمة الحاكمة قد نخرت الجسد العربي، فصارت الأوطان التي نعيش فيها مجموعة من الخيام الآيلة للسقوط مع أول ريح كريح الربيع، فسقطت أوطاننا على رؤسنا.. كلنا.

اترك رد