خواطر رمضانية (5)

0 43

علي العسلي
.. قيل أن الجن كانت تسكن الأرض قبل آدم؛ فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس قبل أن يعصي الله تعالى ويمتنع من السجود لآدم، فقاتلهم… وأصحاب هذا القول يستندون على قوله تعالى للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً فأجابوه بقولهم: ((أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء))، فإن صحت رواية سكن الجن للأرض قبل أدم فلا يدل على أن الانسان بطبعه مفسد، فقد افسد الجن من قبلهم؛ فهمي والله أعلم أن الأرض وتركيبها وطبيعتها فيها توازن بيئي وحيوي دقيق والتدخل والاعمار يؤدي إلى اختلال ذلك التوازن الرباني الدقيق، فالخلافة تعني التغيير والتعمير، وهذا بالضرورة يعني احداث اختلال في البيئة وفي غيرها من الأشياء، هذا فيما يخص ((يفسد فيها )) مستقبلا أو يغير فيها ،والتغيير هذا سيؤدي بالنتيجة إلى صراع بين بني آدم صراع تملك واستحواذ، وبسببه يحصل سفك الدماء كما يشاهد في أكثر من مكان في العالم ايوم وكل يوم من حروب واستعمار ونهب ثروات الشعوب والتأثير على الحياة بالمصانع والصناعات البيولوجية والكيماوية وغيرها، لدرجة التأثير على البيئة في الأرض ، ولدرجة أن الأوزون قد تأثر وليس الأرض لوحدها من تدخل الانسان في هذه البسيطة؛
إن قصة أدم والملائكة وابليس والحوار الرباني معهم حول مسألة جعل أدم خليفة، وذلك الاختبار الذي فاز به آدم عليه السلام بإرادة وتمكين من الله تعالى، قد اثار استغراب واندهاش الملائكة الكرام ((ليس باعتراض على المولى تبارك وتعالى، ولا طعناً في بني آدم… وإنما هو تعجب واستكشاف عمّ خفي عليهم من الحكمة؛ واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم.. لأنهم “عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون”))؛ أما إبليس اللعين فكان حاقدا ومكارا ونصب العداء لآدم عليه السلام لسبب تافه انه خلق من نار وادم من طين؛ وحكمة الله اقتضت أن يكون ابليس عدواً لآدم وللبشرية بعد ذلك، لتكون في موضع الاختبار فمن ينجح في الاختبار دخل الجنة ومن اتبع الشيطان دخل النار…!
فنعم الله لا تحصى على الناس، فهو الذي أحياهم بعد ما كانوا أمواتاً…. وخلق لهم ما في الأرض جميعاً.. وجعلهم خلفاءه في أرضه، وأعلن ذلك لملائكته في الملأ الأعلى بقوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً. فهذا كله يدل على تكريم الإنسان وتشريفه على غيره من المخلوقات…!؛ سمي آدم (عليه السلام) اسمُ أبي البشـر، حيث سمَّاه الله تعالى بذلك؛ لأنه خلقه من أديم الأرض أي من ترابها..؛ فالله تعالى خَلْق آدم ونَفَخَ فيه الروح، فصار بَشـَراً يتحرك، وخصَّه بالعقل وزوَّده باستعداد للتعلم، ثم جمع الملائكةَ، فتعجبوا من استخلاف آدم، وارادوا معرفة الحكمة من ذلك..؛ فجاء القول الفصل من رب العالمين (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ؛ لم يكتفي رب العالمين عند هذا؛ بل قال لملائكته (أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ، فلم يستطيعوا؟!؛ فقال لآدم (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) فأخبرَهم؛ فأمرهم بالسجود له (اسْجُدُوا لِآدَمَ) فسجدوا الا إبليس فلم يسجد..؟!؛ فحكاية ابونا آدم مذكورة في القرآن الكريم في مواضِعَ متعددة؛ وقد خلق الله تعالى آدم ثم من آدم خلق زوجه حواءَ، كي تؤنِسَه، وكي يتكاثَر البشر بعد ذلك بطريق التناسل. إبليس ذلكم الكائن الضعيف ،دخل على خط الاعتراض على تكريم الله لآدم بالخلافة، بدافع الحسد والحقد والغيرة، ( قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاحتنكن ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً)؛فاحتال ابليس على آدم عليه السلام، فصدقه فغواه!؛ واظن ان سبب التصديق هو اغراء ابليس له بأنهما سيكونان ملكين مخلدين، ولذلك نرى أن أدم عصـى ربه بأكله من الشجرة التي نهاه عن الأكل منها، فعوقب بإنزالَه وزوجَه إلى الأرض، نتيجة لذلكم العصيان( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا…) ، فالعصيان للخالق العظيم نتيجته الفضيحة والتعرية، والعودة عن العصيان غفران الذنوب والستر ، و يتم بالتقوى، وبسبب العودة ،جاء وعد الله لآدم وذريتَه بإعادتهم إلى الجنة إذا ما ساروا على شَرعه الذي سيرسله لهم عَبْرَ رسله وأنبيائه.. فأصبحت الجنة هدف ومسعى ومبتغى للإنسان بعد أن كان قد سكن فيها ابتداءً.. وفي القرءان الكريم لم يُذكر لفظ حواء، بل ذكرت على أنها زوجة آدم عليه السلام في ثلاث سور وهي البقرة، والأعراف وطه، بخصوص السكن واخبارهما بأن ابليس عدو لهما…!؛ ودلالة اسم حواء؛ لأنها خلقت من حي، ودعا آدم اسم امرأته حواء؛ لأنها أم كل حيّ، ومعناها معطية الحياة، وخلقت من حي، فهي أم البشر جميعاً، وسياق الآيات ان آدم وزوجه خلقا من نفس واحدة قبل دخول الجنة؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا…). ” اللهمَّ! اغفرْ لنا خطيئاتنا وجَهلنا. وإسرافنا في أمرنا. وما أنت أعلمُ به منا. اللهمَّ! اغفِرْ لنا جَدِّنا وهَزْلنا. وخَطئنا وعمْدنا. وكلُّ ذلك عندنا. اللهمَّ! اغفرْ لنا ما قدَّمتا وما أخَّرنا. وما أسررنا وما أعلنا. وما أنت أعلمُ به منا. أنت المُقَدِّمُ وأنت المُؤخِّرُ وأنت على كلِّ شيءٍ قديرٌ). (اللهمَّ لك أسلَمنا، وبك آمَنا، وعليك توكَّلنا، وإليك أنَبنا، وبك خاصَمنا، وإليك حاكَمنا، فاغفِرْ لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلَنا، أنت المُقَدِّمُ، وأنت المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إلا أنت، ولا إلهَ غيرُك.. آمين

اترك رد