خواطر رمضانية (6)

0 39

د. علي العسلي
.. لا شك أن الانسان قد شرفه الله بوظيفة الاستحلاف، وجعل الملائكة يسجدون له، وأودع فيه “الروح” التي لا يعلم كنهها إلا هو، وشرفه بقوله تعالى ((ونفخت فبيه من روحي))، ثم شرّفه بالعقل، وجعل قدراته تفوق التصور، وجعله جامعاً للعالَمين ((الغَيب بنفخة الروح، والشهادة بقبضة الطين))؛ فالتقى العالَمان في هذا المخلوق الضئيل الجسم، الجسيم الخطر والشأن!؛ ومن مظاهر عناية الله بالإنسان تسمية سورةٍ كاملةٍ في القرآن باسمه، وبفضله ومنه عليه أن خلق الله الانسان بشراً سويّاً، ومهّد له طريق الخير والشّر ليختار منهما بإرادته، وبقرارة عَقْله، وبما يملك من طاقاتٍ ومدارك، ليتميّز ذلك عن غيره من المخلوقات.. وجعل الله من الانسان الأنبياء وهم أكرم المخلوقات، وقصة نشأة آدم في القرآن، هي إحدى قصص الخلق والتكوين، وفيها من أمر الغيب ما هو حق الايمان، والعلم بـــ ” القيم ” العليا في حياة الانسان وسائر الأحياء، ولب القيم جميعا ((الفضيلة)). والقرآن وضع الانسان في موضعه الصحيح، وأصلح من الانسان الذي يؤمن بالأسرة الإنسانية، ويستنكر أباطيل العصبية ومفاخر العنصرية ليعترف بفضل واحد متفق عليه هو فضل الاحسان في العمل واجتناب الإساءة. الانسان الذي نتحدث عنه اليوم هو المخلوق المميز الذي يهتدي بالعقل فيما علم، وبالإيمان فيما خفي عليه؛ ولا يُدان بعمل غيره، ولا ينجو من وزره بغير عمله. ومع التحدث عن ((الانسان)) يفضل الإشارة إلى ((البشر))، حيث البشر والانسان يدلان على كائن واحد، إلا أن استخدامهما بطريقة مخالفة في آيات القران الكريم…!؛ فكلمة ((بشر)) يقال: أنها مشتقة من البَشَرة، بسبب ظهورها للجميع، عكس باقي الكائنات الحية، وتستخدم كلمة بشر للتدليل على المساواة، وتطلق على الصفات الشكلية للإنسان كذلك..؛
أما كلمة ((إنسان)): هو روح وجسد، فالجسد معلوم، والروح في القرءان ((الايمان بالغيب))؛ وكلمة الانسان هي كلمة مشتقة من كلمة الانس حيث أن الانسان لا يستطيع أن يحيا بمفرده، ويحتاج دائما إلى من يأنس به.. واستخدمت كلمة الناس بكثرة في القرءان بدلاً من الانسان، والتي هي جمع كلمة (أناسي وناس).. وكلمة “إنسان” و”أُنس” و ” إِنس” في كلام العرب من الإيناس، بمعنى النّظر؛ والانسان بينه القرءان على أنه أكرم الخلائق نظرا لتفرده بـ (الاستعداد) للتكليف، هذا الاستعداد ((يجعله أهلا للترقي الى أحسن تقويم وأهلا للتدهور الى أسفل سافلين))؛ فالإنسان الحديث عنه مهم؛ لأنه متذبذب بين النقيضين السابقين. فالإنسان المناط بالتكليف إسلاميا هو مميز في القرءان عما ذكر عنه في الرسالات السابقة؛ أعني خاصية التكليف واعداده لخطاب العقل وبينات الاقناع؛ وهذا التكليف بالضرورة يتطلب من المكلف أن يكون مسؤولاً عن عمله ومحاسباً عليه. والعقاد تحدث عن الانسان في كتاب كامل، ومما قاله: أن الذات الإنسانية تتشكل من مجمل القوى “النفس والعقل والروح”، و((الذات الانسانية)) بأبهى صورة من صور التعدد، لأنها ((ذات نفس أو ذات روح أو ذات عقل))، هي إنسان واحد في جميع هذه الحالات.. ،
و القرءان رتب هذه القوى وعمل كل منها في القيام بالتكليف، وميز الانسان بالمسؤولية، فالإنسان يعلو على نفسه بعقله، ويعلو على عقله بروحه ويتصل من جانب النفس بقوى الغرائز ودوافع الحياة الجسدية، ويتصل من جانب الروح بعالم البقاء وسرّ الوجود الدائم وعلمه عند الله..؛ الإنسان في القرآن الكريم هو الخليقة المسئول بين جميع ما خلق الله (يُوصف دون غيره من الخلائق بالكفر والظلم والطغيان والخسران والفجور والكنود؛ لأنه دون غيره أهل للإيمان والعدل والرجحان والعفاف)؛ ولأنه أهل للتكاليف، مسئول عن عمله — فردا وجماعة — لا يؤخذ واحد بوزر واحد، ولا أمة بوزر آمة؛ يدين بعقله فيما رأى وسمع، ويدين بوجدانه فيما طواه الغيب. و«الإنسانية» من أسلافها إلى أعقابها أسرة واحدة لها نسب واحد وإله واحد، أفضلها من عمل حسنًا واتَّقى سيئًا، وعمل بحسن النية فيما أحسنه واتقاه.
أما مناط المسئولية في القرآن، فهو: “تبليغ، وعلم، وعمل”؛ ورسل البلاغ هم أول المكلفين بالعلم والعمل، أممهم جميعا الآمة الإنسانية، وإلهُهُم جميعا إله واحد هو رب العالمين..
صفات الإنسان في القرآن الكريم نورد عددٍ منها: ” العلم، الخلافة، المعرفة، التفكير، صفات أخرى خص الله الانسان بها (القراءة، العلم، البيان، الكسب والتكليف، يحتمل الوصية، يحتمل هموم المكابدة ومشاق الحياة، يحتمل الأمانة، يتعرّض في حياته للابتلاء ومحنة الغواية والوسوسة)”..؛ أما الصفات السلبية للإنسان في القرآن الكريم نورد عدد منها: “التسرع، سريع التأثر والانفعال، شديد الخوف إن مسه مكروه، كثير المنع إن نزلت به نعمة، عدم الرضا، ييأس من نيل الخير بعد الشر، يبخل على غيره إن ناله نعمة أو خيراً، الجدال، الحسد).. اللهم زدنا علما وحلما واجعلنا انسانيين في كل أعمالنا..

اترك رد