دمعة حزن على فقيد الوطن عبد الرحمن شجاع الدين

0 368
الصحيفة: مقالات
بقلم: جسن حمود الدوله
قال أعز من قائل:” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ” صدق الله العظيم
 للحياة معان تسمو فوق كال اعتبار، فهناك لحظة من العمر يفقد فيها الإنسان القدرة على تمييز الزمان والمكان الذي تأتي فيه تلك اللحظة من الزمن، سواء كانت لحظة يغمرها الفرح والسرور ، أو يعتصرها الحزن والأسى والألم، ويحصرها في زاوية العودة إلى ذكريات ماض ولى وانقضى، هذه اللحظة هي لحظة سماعي نبأ وفاة أستاذي ومثلي الأعلى عبدالرحمن شجاع الدين، فتلك اللحظة أعادتني إلى ما قبل سبعة واربعين عاما تقريبا، عندما تعرفت على الفقيد لأول مرة في تعز عام 1969م، وقد كان حينئذ مديرا لفرع شركة التبغ والكبريت بتعز، وكان معنا في الرحلة الطلابية أحد أقاربه الاخ “احمد شجاع الدين” الذي عمل بعد تخرجه في الجهاز المركزي للتخطيط رحمة الله تغشاه،  فاستضافنا الراحل في منزله وبالغ في الحفاوة وقد ظننا ان تلك الحفاوة والاهتمام بسبب وجود زميلنا احمد، لكن مع مرور الأيام نكتشف أن الكرم طبع من طباعه، وسجية من سجاياه.
 وقد كان يقلنا كل يوم بسيارته الخاصة إلى مناطق ومتنزهات داخل وخارج المدينة، وفي قصر الإمام المعروف ب”قصر صاله” صادفنا وجود رئيس الحكومة عضو المجلس الجمهوري الأستاذ احمد محمد نعمان رحمه الله، وإذا بالفقيد يتجاهله ولم يعره أدنى اهتمام بل شاح وجهه عنه متعمدا، وفعلنا نحن نفس الشيء، فإذا بالأستاذ النعمان يبتسم ابتسامة الأب الحنون  وأخذ مكانه بجوارنا، وانطلق يحاضرنا بتواضع جم وبأخلاق رفيعة مبتدئا كلامه بعبارة لا تزال ترن في اذني إلى اليوم :”انفضوا الغبار يا ابنائنا من على ظهورنا التي احدودبت بسبب السجون وثقل القيود” وواصل كلامه البليغ وبلغة عربية فصحاء، ومحذرا من الحزبية والأفكار المستوردة حسب تعبيره، وخطرها على المجتمع، ناصحا الناشئة على ضرورة الاستفادة من العلوم الحديثة، والنضال من اجل بناء الدولة المدنية اسوة بالدول الغربية وطريقة نظام الحكم لديها ..إلخ. وقد تأثرت بكلامه أيما تأثير ، وإذا بأستاذنا عبد الرحمن شجاع الدين، يرد ردا أكثر أقناعا بالنسبة لنا الحضور وكان يتناوب الرد هو والأستاذ سلطان الشيباني، ومما قاله الفقيد مفندا حجج الأستاذ النعمان طيب الله ثراهما في الجنة وانزل عليهما شآبيب رحمته،:” نحن القوميين العرب نؤمن بأننا امة عربية واحدة ذات رسالة خالده، وان الذي يمزق النسيج الاجتماعي ليس الحزبية بل الطائفية والمذهبية والعصبيات القبلية، فالأحزاب مهما اختلفت فهي تلتقي عند قواسم مشتركة، أما المذهبية والطائفية فهي التي مزقت النسيج الاجتماعي فالتأريخ العربي ملئ بالحروب والمجازر التي شنتها المذاهب ضد بعضها البعض، ولا يزال شعور كل طائفة بالتميز عن الأخرى حتى يوم الناس هذا وكل طائفة تنتزع عدائها من العصبيات التاريخية، وقد ظللت متعجبا كيف استطاع ان يقنعنا ويقنع الأستاذ النعمان بل وكيف لمواطن عادي أن يتحدث مع قامة كبيرة ومناضل كبير ورئيس حكومة وعضو مجلس جمهوري، بهكذا شجاعة وفصاحة ومعرفة، حتى ان الأستاذ النعمان ابدى اعجابه، ووضع يده الحانية على رأسه وتمنى للشباب التوفيق في تحمل مسؤولية انتشال اليمن من وحل التخلف وتردي الأوضاع وتجنب حكم العسكر. وقد كان ذلك الحديث بالنسبة دراسا لا ينسى، وصار الراحل مثلي الأعلى في كل شيء، حتى في الإدمان على اغاني فيروز التي كان الفقيد يعشقها حد الإدمان.
 ولن ابالغ إذا ما قلت بأن منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي كانت تضم في صفوفها من خيرة وصفوة المجتمع  وجلهم يتمتع بثقافة عالية واذكر منهم على سبيل التمثيل فحسب غاندي اليمن الدكتور عبده علي عثمان امين عام سر المنظمة حينذاك، والذي يعاني من سكرات الموت منذ خمس سنوات، في ظل اهمال من قبل الدولة ومن جامعة صنعاء التي تحرج منها على يده الاف من الطلاب ناهيك انه من حول للجامعة ارضية مقرها القديم في باب البلقة حين يعمل وزيرا للبلدية، وكذلك خلفه في أمانة سر المنظمة المناضل الأستاذ يحي الشامي، والمرحوم محمد محمد الحوثي، والدكتور عبد الحافظ نعمان، والدكتور احمد قائد الصائدي و المناضل المرحوم عبد الرحمن محمد حميد والشهيد يحي المتوكل والمرحوم عبد الواحد هواش والمرحوم زين السقاف والشهيد سلطان القرشي والمرحوم العميد محمد طربوش الشرجبي ، والصديقين عبدالعزيز الزارقة ، وحسن شكري زيوار واخرين لا يتسع المجال لحصرهم.
 وقد توثقت علاقتي بالفقيد الأستاذ عبدالرحمن شجاع الدين أكثر بعد انعقاد المؤتمر الأول للاتحاد العام لطلبة اليمن الذي انعقد بصنعاء في مقر المدرسة الصناعية الكائنة جنوب باب اليمن في اغسطس عام 1970م، وقد كنت احرص على زيارة الفقيد كمعلم وكأب روحي، وهو احد الذين زكوا ترشيحي مسؤولا ثقافيا لفرع الاتحاد بصنعاء، الذي تبنى تأسيسه حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم سافرت في منحة دراسية جامعية إلى القاهرة، ولم التق به إلا بعد ان تخرجت، حيث كنت احرص على زيارته مرة في الاسبوع على الأقل.
وعندما انتقل الفقيد للعمل ملحقا اقتصاديا في تونس فقد كان من حسن حظي انني رشحت من بنك التسليف التعاوني والزراعي في دورة اطلاعيه في البنك القومي التونسي، وإذا بي أجده في صالة الانتظار بمطار تونس الدولي مع صديقنا المشترك اللواء محمد يحي الشوكاني مد الله بعمره الذي كان يعمل أمينا عاما مساعدا لمجلس وزراء الداخلية العرب التابع لجامعة الدول العربية،  ومن المصادفة العجيبة أن الفقيد كان سببا في انضمامي لحزب البعث والأخير كان سببا في خروجي منه!!  – وتلك قصة يطول شرحها – المهم عند الاستقبال اصر على ضيافتي في منزله، إلا ان مندوب البنك التونسي حضر واقنعته انني في مهمة وقد حجز لي البنك غرفة في احد الفنادق، وبعد ان انتهت الدورة عزمني للغداء في منزله ضمن مجموعة من اصدقائه في السفارة وجامعة الدول العربية، وكانت المفاجأة لي أن تلك الحفلة الغداء الكبيرة كانت على شرفي، وقد عاتبته على ذلك، فقرد علي بابتسامته المعهودة التي لم تكن تفارق محياه، وقد عرفت من اللواء محمد الشوكاني أن أستاذنا يشعر بسعادة، عندما يقوم بتلك الحفلات، بل كان يخرج المطار بين الحين والاخر تحسبا لوصول أي قادم من اليمن ليقوم بتوصيله وضيافته، وأنه يستدين فوق مرتبه لمواجهة نفقات الضيافة.
هكذا كان الفقيد يتمتع بصفة الكرم، وكان عظيما بأخلاقه وقيمه وتواضعه وتفانيه في حب وطنه، وجريئا في آرائه وصادقا في صراحته وامينا في مسؤوليته وانسانا في نزوعه ومخلصا إلى الخير وفي نفعه للأخرين، متميزاً بالدماثة ، والتواضع الذي زاده احتراماً وتقديراً ومحبة في قلوب اصدقائه ومحبيه وكل من عرفه والتقى به. وهل هناك ثروة يبقيها الانسان بعد موته أكثر من محبة الناس ..؟!
عبد الرحمن شجاع الدين كان يخفي وراء مظهره المتواضع وانفتاحه الودود شخصية رسالية يندر ان يجود الزمان بمثلها فكان رسول علم ومعرفة ، وجدول عطاء وتضحية ، وكان الأب الحنون والأخ الودود والصديق الصدوق. فكان قدوة ونموذجاً ومثلاً يحتذى في البساطة والوداعة والرقة والعطف والحنان وعمل الخير وسمو الاخلاق وطهارة النفس والروح ونقاء القلب والعفوية والتسامح ، ومن مواقفه الإنسانية أنه أول يمني شعر بحكم المجتمع على فئة من المواطنين بالدونية واطلق عليهم اسما تحقيريا هو «الأخدام » فمنذ مئات السنين وهذه الفئة هي الأكثر تهميشاً وتمييزاً في المجتمع اليمني، فكان الفقيد الرحل اول من فكر في مطلع ستينات القرن الماضي بدمج هذه الفئة وصهرها بالمجتمع، وقد أدرك أن ذلك لن يتأتى إلا عن طريق التعليم، فبالعلم وحدة يرتقي الإنسان إلى قمة الهرم في أي مجتمع، فقام بالفعل بافتتاح أول مدرسة لتعليمهم، هذا العمل الإنساني وهذه القيم العظيمة التي كان يتمتع بها الفقيد هو والكثير من جيله جيل رواد التنوير الذين، ناضلوا من اجل ارساء قيم الوحدة والحرية والاشتراكية والوحدة تحت شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”
انضم الاستاذ عبدالرحمن شجاع في أوائل الستينيات من القرن الماضي إلى منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي وأبدى نشاطاً سياسياً ملحوظاً في صفوف الحزب وكان يحظى باحترام الجميع في القيادتين القطرية والقومية، وتربطه علاقات قويه بصدام حسين وحافظ الاسد لكنه انسان عصامي لا يبحث لنفسه الشهرة ولا المال والجاه والمنصب فقد كان رساليا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، متواضعا مبتعدا عن الأضواء فرحم الله الفقيد الذي قدم الأنموذج والمثل في العمل الوطني الذي نفتقر في حياتنا السياسية والعملية إلى مثله.
 نعم كان للراحل من اسمه نصيب فقد كان شجاعا كاسمه ومناضلا جريئا، ومثقفا عضويا، شامخا عزيزا في غير تكبر ، متواضعا في غير مذلة، حزبيا عندما كان الحزبي يحمل رأسه في يده، وكانت الحزبية تهمة تعرض صاحبها للسجن، والفقيد قد تعرض هو وبعضا من رفاقه للملاحقة والسجن أكثر من مرة من قبل السلطات الأمنية، وكان بعثيا مؤمنا بمبادئ البعث القومية وكان الراحل ملتزما بدفع الاشتراكات الحزبية عن نفسه وعن الطلاب غير القادرين دفع تلك الاشتراكات، وذلك قبل ان ينقسم الحزب عراقيا وسوريا وقبل أن تطغى شخصيتا صدام حسين وحافظ الأسد على الحزب وتسابق كل منهما في ضح الميزانيات لشراء ولاءات شيوخ القبائل والضباط والمسؤولين اليمنيين فحينذاك غادر الحزب لكنه ظل متمسكا بمبادئ البعث وقيمه القومية والعدالة الاجتماعية، والإيمان بالحرية والوحدة والمثل القومية والإنسانية التي تربى عليها، والتزم بها، وقد وقال عنه صديقه المناضل الكبير الأستاذ عبد الباري طاهر :” عرفت الشجاع- حقاً وصدقاً- بدايات السبعينات في تعز، وكان في ذروة الشباب والحيوية. كان بيته مزاراً لكل قادة العمل الوطني وكوادر الأحزاب السياسية الحديثة: عبد القادر سعيد أحمد طاهر، وسلطان أمين القرشي، وأحمد علي حيدر، ومحمد عبد الولي، وعبد القادر هاشم، وزين السقاف، وعشرات غيرهم. ورغم التنافس- حد الخصومة- بين البعث، وحركة القوميين العرب إلا أن التآخي والحوار كانت سمة الأستاذ عبد الرحمن شجاع ورفاق دربه من الاتجاهات القومية واليسارية، وهي فضيلة تميز بها ذلك الجيل”.
لقد غيب الموت أستاذنا عبدالرحمن، بعد مسيرة عطاء عريضة ، ومشوار حياة كل بذل وعطاء ، تاركاً سيرة عطرة ، وذكرى طيبة ، وروحاً نقية ، وميراثاً من القيم والمثل النبيلة. نعم غاب عنا بجسده الترابي لكنه سيبقى في قلوبنا بروحه الإلهي، ما بقينا على قيد هذه الحياة ، ولن ننساه ، وسيظل بأعماله ومآثره وسيرته نبراساً وقدوة لنا، كان مناضلا غيورا اخلص لوطنــــــــه وشعبـه ، غادرنا قبل ثلاثة اسابيع وهو يعانــي في بلد الشتات من آلام الشــوق الى بلده .. رحـــــــــــل عنا متألما علــــــــى ما أصاب بلده اليمن من الكوارث والمحن والحربين الداخلية والخارجية، اللتين اجتمعتا لأول مرة في تأريخ اليمن، وبفقدانــــــه منيت اليمن بخسارة فادحــــــــــة لأنه كان طيلة سني حياته مكرسا جلّ وقته للترويج للدولة المدنية وقيم الحرية والوحدة والاشتراكية وتقديم الخدمــات للمحتاجيـــــن من الفقراء والكادحين .. رحل حامـــــــلا معه عشقــــــــــــه لليمن وتاركا في قلوبنــــــــــــا لوعة وفي الذاكرة صور لمواقــــــــــفه التي لا تنســـى  والتي جســـــــــد فيها معاني الوطنية والتضحية والنضال والصدق والكرام والمحبة والجمال…….
فيا أستاذنا الجليل يا أيها الانسان المربي والمناضل الجسور ، يا أبا منذر،  يا نبع العطاء والنهر المتدفق حباً للوطن ، يعز علينا فراقك، في وقت نحتاج فيه الى امثالك من الرجال الأوفياء الصادقين . ومهما كتبنا من كلمات رثاء، وسطرنا من حروف حزينة باكية، لن نوفيك حقك لما اتسمت به من صفات وجهد وتفانٍ في سبيل شباب ورجال المستقبل والغد ، وعلمتنا من أخلاقك وقيمك الفاضلة ، وغرست فينا حب الوطن والقومية العربية والعلم والمعرفة ، ونميت في اعماقنا قيم المحبة والخير والانتماء.
نم مرتاح البال والضمير ، فقد أديت الامانة وقمت بدورك على أحسن وجه ، والرجال الصادقون أمثالك لا يموتون . وما لي في وقفة الوداع إلا هذين البيتين:
لقد كنت قلبا بالمحامد صافيا .. وقد كنت ذهنا بالمعارف ثاقبا
كأنك من رب العباد موكل .. لتسعف ملهوفا وتنجح خائبا
وكذلك قول االشاعر:
المرء بعد الموت أحدوثة … يفنى و تبقى منه آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ … تطيب بعد الموت أخبــاره
. وداعا وسلاما أبا منذر وانت تفارقنا الى دار البقاء تاركا لنا ارثا ثقافيا ومواقفــا انسانية حقة .. وداعا ايها الراحل الذي حافظ على اصالته ونظافتــه في زمـــــــن افسد فيه كل شيء جميل حتى القيم.. وداعا ابن القفر البــار فانك لم تمت بل ستبقى كمـــــــا كنت نبعا صافيــــا ونجما لا يأفل ..  وفي الختام أتقدم إلى اولادك “منذر” و”ميساء” و”ماهر”و “وميسون” وإلى عائلتك واهلك وذويك باحر التعازي واعمق مشاعر المواساة راجيا للجميع جميل الصبر والسلوان ولك بالمغفرة والرضوان، ونقول ما قاله سلفنا الصالح كما أنبأنا اللطيف الخبير :”إنا لله وإنا إليه راجعون”
المحزون الأسيف / جسن حمود الدوله
الجمعة 13 ابريل 2018م

اترك رد