ريمة.. حضور في المغرم.. غياب في المغنم

0 455

الصحيفة: فسبكات

فسبكات الكاتب : ثابت الاحمدي

“حين يكون الجنون نعيما فمن الحماقة أن تكون حكيما”. هكذا قيل سابقا، وهكذا وجدتني أجرجر هذه الحكمة وأنا أتأمل تفاصيل وخارطة النخبة السياسية والثقافية في ريمة، وكيف سلبنا التعقل الزائد كل حقوقنا.
وبادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى حقيقة مرة ومؤلمة، وهي عقدة النقص التي تسكن الجيل الأول من أبناء هذه المحافظة، وارتضعوها مع لبان أمهاتهم، فضربت عليهم المسكنة والذلة حتى مسخت شخصياتهم، أستثني منهم فقط الشيخ علي الضبيبي الذي أراه يتعامل بثقة وندية مع الآخرين، أما البقية فهم أعزة على بعضهم أذلة أمام الآخرين، وكأنما خرجوا من ذل السبي البابلي..!
ومن المقدمة إلى التفاصيل..
لم تقدم محافظة على مستوى اليمن من التضحيات الجسام في مختلف ميادين الشرف والبطولة ما قدمته ريمة، عسكريا وسياسيا وثقافيا، ذلك أن دماء أبنائها سُفحت خارج قراها ومديرياتها؛ ولم تسفح داخل ريمة، وتباب ميدي وصرواح ونهم شاهدة على ذلك لألف عام قادمة.
السياسيون والمثقفون منهم كذلك، لهم حضورهم المشرف والوطني من مواقعهم، بروح نضالية لا تقل أهمية عن الجانب العسكري في الميدان. ذلك واجب الكل وبلا استثناء، ولن نزايد على الآخرين بوطنيتنا أو نضالاتنا؛ لكن الحق المبذول يقابله الواجب المستحق، هذه من سنن الكون ومن دوافع البقاء والاستمرار، وإذا كانت كتيبة الرماة يوم أحد قد تركت الجبل ونزلت حين رأت الغنيمة تقتسم بين الناس، وهم صحابة رسول الله، فإن كتيبة ريمة لا تزال على قمم الجبال والتباب صامدة، لم تتأثر بالقسمة التي تتم وهو يرون..! وشعارهم كما قال عنترة:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم
إنهم يتبعون سنة آباءهم المناضلين في ثورة 26 سبتمبر 62م الذين سطروا ملاحم البطولة والفداء في جبال آنس وحجة وصنعاء ثم عادوا إلى قراهم فلاحين ملوكا، وماتوا دون أن يجد أي منهم شربة ماء مجانية من الدولة التي أقامها بدمه ولحمه. وثمة تفاصيل مهمة في هذا الجانب سمعتها من كل من اللواء أحمد قرحش، واللواء علي السلال. ولا يزالان حيان يرزقان.
لا وزير.. لا سفير.. لا وكيل.. لا رئيس هيئة أو مصلحة أو صندق أو قطاع من أبناء ريمة، في الشرعية؛ بل حتى مديرا عاما، عدا منصبا متوسطا للأخ أبو الفضل الصعدي الذي شفع له لقبه “الصعدي” في الحصول عليه، وأجزم أن لو كان لقبه “الريمي” ما كان وصل إليه، ومع هذا فلم يحظ حتى اليوم بكرسي يجلس عليه، ليمارس مهامه..!
مناصب الدولة أساسها عنصري/ مناطقي/ جهوي. ومن يقل بغير ذلك فهو واهم. والمشكلة أن أبناء هذه المحافظة ابتلوا بنخبة قيادية سنعتذر للسوء إن وصفناها أنها سيئة..
شخصيا دافعت قبل اليوم ــ لاعتبارات سياسية لا موضوعية ــ عن الشيخ الناجح والمحافظ الفاشل الأخ محمد علي صالح الحوري، الذي لا يشبهه من المسؤولين اليمنيين إلا الرئيس هادي فقط. ولست نادما على ذلك، ولا زلت أمثل حائط صد أمام كثير من المهاجمين له بحق وبدون حق، لا لأنه لا يستحق؛ بل لا نريد أن نضعف الضعيف أصلا، ثم إن من يعمل في مجال السياسة عليه أن يكون ذا بال طويل وصدر واسع، وعلينا أن نتمتع بأقصى درجات التصبر لا الصبر، أما وقد فاض الكيل، فليس بوسع المتألم إلا أن يتأوه. وليس بوسع المظلوم إلا أن يصرخ… وسنتأوه، ونصرخ ونناضل لانتزاع حقوقنا، كاستحقاق ذاتي لا تفضلا من أحد. في الحقيقة كم أحترم اللواء محمد علي المقدشي أو عبد العزيز جباري من ذمار، وأيضا الشيخ عثمان مجلي أو أخاه عمر مجلي، وكذا اللواء عبدالغني جميل أمين العاصمة، وهم في خدمة أبناء منطقتهم ليل نهار بإخلاص وتفانٍ حتى كادت دولة الشرعية أن تكون دولة صعدة وذمار ــ بعد الجنوب طبعا ــ كما هي في صنعاء دولة صعدة وذمار، غير مكترثين بالتصنيفات الحزبية لأبناء منطقتهم أبدا، يأتي هذا في الوقت الذي يصعب؛ بل يستحيل أن يقدم محافظ ريمة مثلا أدنى خدمة لأي شخص من أبناء منطقته مهما كانت كفاءته؛ لأسباب ضيقة وحسابات هي من مخلفات الحرب الباردة التي انتهت في التسعينيات؛ لكنها لا تزال تعشعش في عقلية محافظنا العزيز الذي نكن له كل الاحترام والتقدير على الرغم من تقصيره. وكان لدينا قليل من الأمل أن يتجاوز تفكيره الضيق، ويكتسب الخبرة السياسية ولو في حدها الأدنى؛ أما وقد لحقه “المرشد الأعلى” إلى الرياض فقد غسلنا أيدينا من أي أمل عليه نهائيا، وراجي المنفعة منهما “كراجي الطهر من عين النجاسة” كما يقول البردوني؛ فلا يزال “المرشد الأعلى” محشورا داخل القمقم القديم، ولم، ولن يتجاوزه على ما يبدو خلال خمسمئة عام قادمة؛ ذلك أن التفكير العصبوي/ الحزبي هو المحدد الرئيس في أي تعامل مع الآخر، وإن من منفعة مقدورة عليها فلن تعدو منفعة “حليب الأتان” لا يصلح إلا لابن الأتان فقط..! مع الإشارة هنا أنه إلى جانب الأنانية المفرطة المتحكمة على “قمرة القيادة الأولى” هناك أيضا حالة من العجز بسبب ضحالة الخبرة السياسية ومرونة التعاطي مع الآخرين في هرم الدولة، وضعف وعيهم وثقافتهم بمؤسسات الدولة وإدارتها، فحركتهم في اتجاه واحد كحركة “الضبع” مضبوطة إيقاعيا بمصلحة الجماعة/ الشلة على تفاوت بينها؛ لأن الفرز أيضا قائم حتى داخل الجماعة نفسها، أفقيا وتصاعديا؛ فمثلا وضع الأديب والشاعر مهدي الحيدري “الإصلاحي” كوضع أي شخص آخر؛ لأنه ليس ضمن “قمرة القيادة” ولا من ضمن “المفاصل الخمسة”..
شخصيًا أسمعُ عن اتهامات بالفساد للمحافظ وشلته؛ لكني ــ وللأمانة ــ لا أعرف موقفا واحدا لذلك، ولم تقع في يدي وثيقة واحدة تدينُهم بذلك، عدا وثيقة واحدة قيل أن مضمونها انتهى، وهو ما يجعلني أؤجل أي تهمة لهم بالفساد، إذ ليس من اللائق اتهام الآخرين بلا دليل قاطع؛ لكني أثبتُ تهمة العجز فيهم، والعجز ذاته واحد من مظاهر الفساد؛ لأن شرط القوة في القيادة مقدم على شرط الأمانة.
هناك تخشب عقلي وسياسي يغلب على ذهنية المحافظ الذي يشبه “المدير التنفيذي” لا أكثر، ولم يشعر بعد أنه محافظ محافظة للمؤتمري والإصلاحي والاشتراكي والمستقل، لا لشلة محددة من جماعته، هم الذين يجيب عن اتصالاتهم، ويلبي طلباتهم، في الوقت الذي لا يرد على اتصالات الآخرين أو رسائلهم، والأخ أحمد فاضل، رئيس الدائرة السياسية في إصلاح ريمة شاهد على ذلك..
نأسف لما نقوله، ونأسف للوضع الذي وصلنا إليه، علما أن أبناء المحافظة لم يطلبوا منه المستحيل أو ما ليس في مقدوره، فقط، بذل الجهد..، فقط أن يُشعر الناس أنه محافظ للجميع.. ألا يرتهن للجهلة وعديمي الخبرة من حوله.. أن يكون بحجم المنصب.. بحجم التحدي.. بحجم الألم، وإلا فالأفضل له أن يستقيل، ليفسح المجال لآخرين يتعاملون مع الناس بمسؤولية. أن يشعر هو و “المرشد الأعلى” أن خدمة الناس واجب ومسؤولية يقومان به، لا تفضلا أو كرمًا منهما. عليهما أن يدركا أن مشاورة العقلاء وذوي الخبرة والجلوس معهم مهما كانت انتماءاتهم السياسية طريقهما للنجاح، ولدينا الكثير من العقلاء المستنيرين، “علي محمود يامن أنموذجا” وأن ذهنية “الغرفة المغلقة” إن كانت صالحة لإدارة الحلقات التنظيمية فإنها لا تنفع لإدارة الدولة.

اترك رد