شهيد التعاونيات ..فاتح المقاطرة وصانع الحلم

0 253

سليمان السقاف

بعد انقضاء أكثر من ألف ليلة على رحلة رجال المظلات الشهيرة والشاقة عبرها إلى عدن -عقب أحداث الحجرية- سيرا أو على ظهر الدواب شهدت المقاطرة لأول مرة في التاريخ عبور أول مركبة حديثة -تسير بعجلات مطاطية وتدور بقوة محرك يعتمد على نظرية احراق الوقود- على أرضها -من الطرف الغربي بدءا من نقيل ووادي الصحى-, ليبدو الأمر برمته وكأنه حدث خيالي جاء من وحي حكايات ألف ليلة وليلة, بل أشد تشويقا وأكثر إثارة مما تجلبه عادة قصة خرافية تفتق عنها الخيال الجامح لشهرزاد الجميلة, فسحر المشهد لم يكن يكمن -فقط- بمعجزة وصولها المنطقة حين نشير إلى أن الأكثرية لم يكونوا قد رأوا أصلا كائنا -غير حي- يتحرك بالمطلق في حياتهم قبل ذلك التاريخ, وليسو أقل دهشة من سكان المريخ لدى رؤيتهم أول مركبة فضاء بشرية تحط على سطح كوكبهم, إن كان ثمة مَنِ يِّدِعٌ وِجِوِدِِ سكان يقيمون عليه بالطبع.

قد يكون من سوء حظ الرائد عبدالله عبدالعالم ورجاله أن المقاطرة لم تكن جاهزة لتحسين ظروف رحلتهم المشؤومة تلك يومهِا, لكن من حسن حظهم أيضا أن الآلة النظامية حتى تاريخه -نهاية السبعينيات- كانت -هي الأخرى- لا تزال عاجزة عن ملاحقتهم, باستثناء الميج الروسية -طبعا- التي اكتفت بمهمة الرصد والتعقب من تحت قبة السماء.
فالسور الطبيعي الذي شكلته سلسلة الجبال الشاهقة كان مازال يعمل بكفاءة, وكاف بمفرده لاعاقة أي تحرك حقيقي على الأرض بهدف ملاحقتهم, وظلت أسوارها تؤكد باستمرار جدارتها بالتصنيف كأطول وأقدم جدار عازل لم تحدثه يد انسان على ظهر اليابسة, أقله باعتبار أن جدار يأجوج ومأجوج -الذي لم يثبت سقوطه بعد- هو صناعة بشرية في الأساس, وربما استمر ذلك الحال لولا ذينك العملاقين اللذان قررا وضع حد لتلك العزلة ونهاية لذاك الانطواء, فقبل انجازهما المتمثل بشق طريق (الصحى-النجيشة-سوق الربوع) -مطلع الثمانينيات- لم يكن ثمة طريق واحد-عدا طرق الدواب- على طول امتداد حدود مديرية المقاطرة مع نظيراتها في خارطة “الشطر الشمالي”.

ولأجل تحقيق ذلك الحلم تشكلت هيئة تطوير مشتركة لكل من مديريتي الشمايتين والمقاطرة، فكان المناضل عبدالرحمن الصريمي ممثلا للأولى فيها، بينما وضعت الأخيرة كل ثقلها وآمالها بولدها البار عبده محمد الحضرمي (صاحب الحصب) والشهير ب”العديني”، وان كان الأول اسما لا يجهل وغني عن التعريف وعلى المستوى الوطني عامة، فهو قائد فرقة صلاح الدين وأحد أبرز قادة ثورة أكتوبر المجيدة، غير أن المقاطرة راهنت على قدرات هذا الشاب ونصبته ندا لند ورأسا برأس مع الصريمي دون تردد، وهي تعول عليه اجتراح ما يشبه المعجزة بمنتهى الثقة والاطمئنان..

كان إنجازا استراتيجيا بلا أدنى جدال, فتبعا له امتلكت المديرية أول همزة وصل تربطها بشبكة المواصلات في “الجمهورية العربية اليمنية”, وارتبط أبناؤها لأول مرة فعليا بخارطة ودواوين الدولة التي يحملون جنسيتها, ومعه انفتحت أبواب المديرية -بشرا وسكنا وأرضا- أمام أضواء الثورة وخدماتها وروح العصر وتقنياته, وبدأت رياح التغيير تهب بقوة محدثة أثرها العميق ونقلتها النوعية في حياة الناس وثقافتهم,

ويزداد الابهار حين نتحدث عن الامكانات المتوفرة, فلا مناقصات ولا تمويل ولا شركات مقاولات أو مستخلصات وما شابه, كل شيئ اعتمد على مساهمة المجتمع وشراكته الفاعلتين, بينما اقتصرت المساهمة الحكومية على المجنزرة التي وضعتها “التعاونيات”, تحت إمرة “هيئة التطوير” غير أن المستحيل أصبح ممكنا عندما توفر الإيمان وحضرت الإرادة, وبوجود أولئك الرجال الذين لم يكذبوا أهلا, ولم يحنثوا وعدا صار الحلم حقيقة على الأرض أو بتعبير أدق غدا ثلمة بارزة على أوجه الجبال, فكان عطاؤهما محل إجلال وعرفان لا يوصفان, تماما مثلما أن انجازهما كان -ولازال- من المنظور المجتمعي أكثر ابهارا من هدم جدار برلين بالنسبة للجنس الآري في وقت لاحق, فالجميع _بلا استثناء_ صار يؤمل النفس بأن وصول الطريق إلى مناطقهم يعني -قطعا- أن أي شيئ وِګلَ شٍيِّئ أصبح في المتناول.

وفي يوم مشهود وصل ابن المقاطرة إلى دياره مستقلا أول سيارة رباعية الدفع تعبر ذلك الجزء من الجغرافيا، وقوبل قدومه بالاهازيج والزغاريد، وتطايرت القبلات نحوه كالفراشات، وبعد أشهر عدة تزحزحت صخرة كبيرة _بحجم منزل صغير_ لتغلق أحد المنعطفات في نقيل الصحى، وكأنها فعلت ذلك عمدا للانتقام من الرجل الذي قهر الجبل وأذل ناصيته، وأثناء تفجيرها استغلت خطأ بشريا من أحدهم فقذفت أحد شظاياها لتستقر في جمجمة الهدف، وبعد أن اغتالت صانع الحلم واطفأت نار حقدها بدمه الطاهر أفسحت الطريق مجددا وكأن شيئا لم يكن.

لم تشهد المنطقة باتساعها حدادا ومأتما عاما إلا في مناسبتين أولهما عند استشهاد الرئيس ابراهيم الحمدي والأخرى عند استشهاد ابن المقاطرة السقاف الحضرمي الشاب الشهير ب “العديني” -ذو ال35 عاما- صانع الحلم الذي أمسى شهيد الحلم..

رحمة الله تغشى روحه وأسكنه الله الفردوس الاعلى.

اترك رد