غازي المفلحي يكتب عن خيانة الهاشميين

0 438

الكاتب: غازي المفلحي

الهاشميون ليسوا من ابناء اليمن الأصليين لكنهم جاؤها بطريقتين :
الأولى : اما فارين ينشدون النجاة بأرواحهم من الاضطهاد خصوصا في عهود الدولتين الأموية والعباسية ، وهؤلاء في معظمهم جاءوا من الحجاز والعراق والشام وفارس .

الثانية : نزولا عند الحاح بعض اليمنيين الذين سعوا للاستعانة بهم للتفقه بأمور دينهم ، وهؤلاء تم جلبهم من مكة والمدينة تحديدا .

لكنهم في الحالتين كانوا محل ترحاب واكرام واكبار ، فتح الناس لهم بيوتهم وقلوبهم محبة في رسول الله ، كانوا يعظمونهم وينحنون لهم احتراما ، وفي المناطق خارج الهضبة الشمالية احتفظ الهاشميون بمكانة اجتماعية متميزة لكنهم لم يظهروا اطماع سياسية في الحكم ، وهذا الحال استمر حتى أيامنا هذه حيث يحظى هاشميي حضرموت والجنوب بشكل عام بمكانة اجتماعية رفيعة لكن بعيدا عن الحكم، وهذا ينطبق ايضا على هاشميي ما يسمى باليمن الأسفل خارج الهضبة ممن ينتمون الى المذهب الشافعي ، أما في الهضبة الشمالية حيث حط الهاشميون الزيديون رحالهم فيبدو ان الانحناء الزائد للناس قد اغرى الهاشميين بالركوب ، ولضمان ديمومة هذا الركوب اخترع الهاشميون نظرية الحكم في البطنين ليحولوا هذا الركوب الى طقس ديني قدر له ان يستمر اكثر من الف عام ، لم ينعم خلالها اليمنيون بحياة مستقرة بل حروب لا تنتهي ساق بها الهاشميون بسطاء الناس من الشعب المسالم الطيب الى المعارك والقتل والطائفية والتصفية المذهبية .

قبل مجيء الهاشميين كان اليمنيون شعب حضارة وانجاز وابداع مشهود لهم في التاريخ ، أسسوا المدن الكبيرة ، وأقاموا السدود العظمية، وشقوا السواقي الممتدة ، وعبدوا الطرقات للقوافل ، واستصلحوا الأرض ، وبنوا المدرجات الزراعية في جبال بعلو السحاب ، وزرعوا وانتجوا وعندما فاض انتاجهم عن حاجتهم تبادلوا المنتجات مع غيرهم من الشعوب ، فأنشأوا الموانئ البحرية وصالوا وجالوا في بحار المنطقة يملؤون السفن من خيرات بلدهم ويبحرون بها لمبادلتها بمنتجات الآخرين شرقا وصولا الى الهند والصين ، وغربا الى اوروبا وأفريقيا ، وكان هذا مبهرا للشعوب التي تعاملت مع اليمنيين ، وظهر هذا الإبهار بأن اصبحت اليمن عند الإغريق والرومان هي العربية السعيدة ، وعند شعوب المنطقة هي اليمن السعيد وكان لهذه الأسماء دلالتها الخاصة على مستوى الرفاهية والرخاء الذي تمتعت به اليمن في ذلك الوقت .

ولم يكن حديث القرآن عن ملكة سبأ ، بل ونزول سورة كاملة باسم سبأ ، وحديثه عن الأحقاف وعاد وصالح الا دليلا على علو الشأن والمكانة التي وصل اليها شعب العربية السعيدة في ذلك الزمان .

الا انه مع تكوين دولة الهاشميين الزيدية في الهضبة الشمالية حل غراب البين ونادى منادي الخراب في ربوع العربية السعيدة ، فقد حولت الدولة الهاشمية الفلاحين والمزارعين والمنتجين في الهضبة الى جندرمة تخوض بهم حروبها غير المقدسة بهدف توسيع نطاق الهيمنة والسيطرة ، اما كيف اصبح الناس في الهضبة يعيشون بغير انتاج ؟ فقد اجبرت الدولة الزيدية المناطق التي خضعت لسيطرتها في اليمن الأسفل وتهامة تحديدا على القيام بدور الرعية الذين ينتجون ثم يدفعون فائض انتاجهم للدولة الزيدية التي تقوم بدرورها بإنفاقه على المقاتلين الذين لم يعد لهم من عمل سوى الحرب والقتال .

نجح الهاشميون في تكوين دولة لهم في الهضبة بسطت سلطانها على مناطق شاسعة خارج الهضبة ، لكنها لم تكن دولة بناء وانتاج وتقدم ، بل دولة هيمنة ، وسيطرة ، وانتقام ، وهدم ، وسفك دماء ، لم تسجل هذه الدولة انجاز يذكر في اي مجال من مجالات الحياة السياسية ، او الإقتصادية او الإجتماعية ، او العلمية ، لا شيء سوى المجاعات المهلكة ، والأوبئة الفتاكة ، والجهل المخيم على الشعب ، والإضطهاد ، والقمع ، وقطع الرؤوس لمن يتجرأون على الوقوف في وجه هذه المظالم او يثورون ضد هذا الطغيان .

ومنذ ان فرض الهاشميون “مسيدتهم” على الهضبة لم يعرف اليمنيون لا في الهضبة ولا اسفلها الهدوء ولا الإستقرار ، لا يخرجون من مصيبه الا ليدخلوا الى نكبه ، اصبح تاريخهم مصطبغاً بلون الدم ، والفضائع التي حدثت خلال الألف عام وقف وراءها حكام تلاعبت بهم الأهواء ، والعقد النفسية والعنصرية ، وأوهام الإصطفاء الإلهي ، لتنتج واحده من اكثر فترات تاريخ اليمنيين ظلاما ودموية ووحشية .

بدورها لم تتوقف إنتفاضات الشعب ضد حكم الهاشميين ، لكنها دائما كانت تقمع بقسوة وشراسة ، ويكفي ان نعلم انه خلال اقل من 14 عاما ( بين عامي 1948 – 1962 ) حدثت 4 انتفاضات شعبية لم يكتب النجاح لثلاث منها ونجحت الأخيرة في سبتمبر 62 .

كان هدف ثوار سبتمبر هو التخلص من حكم الهاشميين العنصري ، واقامة مجتمع ديمقراطي تعاوني يتساوى فيه ابناؤه في الحقوق والواجبات في ظل سيادة القانون ، وقد تحقق الشطر الخاص بالتخلص من حكم الهاشميين لكن الدولة وقعت في قبضة الجهويين من العكفة الذين كانوا يشكلون قوام الجيش الإمامي .

واذا استثنينا الثلاث سنوات من حكم الشهيد ابراهيم الحمدي رضوان الله عليه حيث تمت محاولة لم تنجح لإعادة ثورة سبتمبر الى مسارها ، فقد كان على الشعب ان ينتظر خمسين عاما لكي يقوم بثورته الجديدة في فبراير 2011 هذه المرة على حكم العكفة ، لم يتغير الهدف فقد كان هو نفسه الذي خرج من اجله الآباء المؤسسون في ثورة سبتمبر 62 وهو اقامة دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون .

وقد حققت ثورة الشعب الجديدة الكثير من الخطوات على هذا الطريق ، اسقطت حكم عفاش العائلي الجهوي ، ودعت الى عقد مؤتمر وطني خرج بوثيقه اجماع شعبي تؤسس لبناء الدولة الحلم ، وتم صياغة الدستور الجديد المستوحى من روح هذه الوثيقة ، وبدا وكأن الشعب وصل اخيرا الى غايته المنشودة .

لكن حصل ما لم يكن في الحسبان ..

التحالف القديم بين الهاشميين والعكفة الذي حكم اليمن لأكثر من الف عام واذاق الشعب الأمرين ، يعود من جديد هذه المرة بشخص الحوثي الهاشمي ، وعفاش العكفة الجهوي ، والهدف هو مواجهة ثورة الشعب الجديدة ووأدها واعادة انتاج دولة الأئمة مرة اخرى حيث يلعب فيها الهاشميون دور الحكام والسادة ، في حين يلعب فيها عفاش وجيشه الجهوي دور العصا الغليظة للحكم الهاشمي العنصري الجديد.

الالتفاف غير المحدود ، والدعم غير المشروط ، الذي اظهره الهاشميون حول الحوثي الهاشمي وعفاش الجهوي في مواجهة ارادة الشعب وحقه في الحياة الحرة الكريمة ، كشف عن ان احلام الهاشميين في استعادة السلطة المفقودة عام 62 لم تخمد ، بل ظلت جمرا تحت الرماد تنتظر الفرصة المناسبة كي تشتعل من جديد .

وهذا يكاد ينطبق على جميع هاشميي الهضبة تقريبا ، والغالبية العظمى من الهاشميين النقايل خارج الهضبة ، حيث اثبتت الأحداث ان اجيال من الهاشميين قد خضعوا لتعبئة مكثفة فيما يشبه غسيل الدماغ ، زرعت في عقولهم أنهم ليسوا مثل الآخرين بل فوقهم ، طينة مختلفة ، هم سادة الناس وقادتهم وحكامهم ، واي حكم لا يكون فيهم هو حكم مُغتصب .

99% من هاشميي الهضبة يقفون مع الحوثي ، مقاتلين في صفوف الميليشيات ، ومروجين في الإعلام ، وطابور خامس في الدولة ، وداعمين ماليا ومعنويا على كافة المناحي والصعد ..

كذلك هو حال الجهويين من العكفة الذين يدينون بالولاء لعفاش ، ليس من منطلق ولاء سياسي بل من منطلق ولاء مناطقي قبلي جهوي ، ضد من يعتبرونهم الآخرين الذين تمردوا على الدولة الجهوية ويتوجب اعادتهم الى بيت الطاعة .

لكن غاب عن ذهن هؤلاء ان حركة التاريخ لا تعود الى الوراء ، وان عصر الانحطاط الذي صنع دولة الهاشميين العنصرية الجهوية قبل اكثر من الف عام قد ولى إلى غير رجعة ، وحل محله عصر الشعوب التي امتلكت ارادتها ، وحددت هدفها ببناء وطن ينعم فيه كل ابناءه بالحرية والعدل والمساواة .

مسيرة الشعب انطلقت ولن تستطيع قوى الظلام – مهما تمادت في بطشها او بالغت في وحشيتها – ان توقفها او تثنيها عن تحقيق اهدافها ، والذين وقفوا ضد شعبهم وفي صفوف الميليشيات العنصرية والجيش الجهوي من اجل ارضاء نزوات سلالية عنصرية او اطماع جهوية ، لن ينالهم سوى الخسران والندم .. ولو ان بعض الندم لا يفيد اذا جاء بعد فوات الأوان .

اترك رد