كسارة الرجال

0 363

فكري قاسم

المذبح الأخير الذي تركه الإمام أحمد في تعز سمي بفضل ثورة 26 سبتمبر العظيمة “ميدان الشهداء”. ومن هناك مر ضوء سبتمبر فرحانا يغني لأول مرة في حياته “جمهورية ومن قرح يقرح”. ليصبح الميدان الذي شهد قطع رؤوس معارضي الإمام فيما بعد محفلا مر منه كبار القادة والمشاهير ونجوم الكورة ورجال المال وبائعي الزعقة والبطاط والسكريم والمجلجل.

من ميدان الشهداء تحديدًا مر خير سبتمبر الذي استعاد لتعز مكانتها التاريخية وجعل منها دلوعة المدائن التي استطاعت خلال ثلاثة عقود فقط من عمر الثورة المباركة أن تنفذ إلى كل زوة من البلد حاملة معها مشاعل التنوير والتثوير والتمدن، فيما حج إليها كل الساسة والمفكرين والأدباء والنهابة وعيال السوق كمان.

من ميدان الشهداء، كانت تعز تتشاقر الحياة وتقول للعالم “تعال عندي واني اوريلك جمال المدن كيف يجي”، ومن حقها تقول كذا، فخلفها جبل عملاق يصبح على المدينة كل يوم بصبريات جميلات ينزلين إلى المدينة من الجبل لابسات ألوان الحياة والمشاقر على خدودهن والأجب فوق رؤوسهن وربنا الرزاق الكريم. وأصوات الجماهير تهز نوافذ البيوت المجاورة للميدان لما يجي جول للأهلي. وميدان الشهداء أصبح لكل الشبان مرعى رياضيا خصيبا.

وأيامها كان في المدينة لوحدها خمس سينمات، كل واحدة تعرض فيلمين باليوم، وصالات السينما ابوابها مفتوحة للرجال وللنساء وكانت فرقة المسرح الوطني لمكتب الثقافة بتعز يضم في عام 1986 قرابة 120عنصرًا نسائيًا لايجرؤ أحد أن ينظر إليهن إلا بكونهن بنات ناس. وكان شارع جمال فيها جميل وأشبه بـ”وول ستريت” بلاد اليمن كلها. شارع رشيق يرتدي كرفته طويلة ويقول للناس اللي يمشوا فيه: العالم هله عندنا. لأنه كان شارع بيبانه مزدحمه بلافتات أرقى الوكالات العالمية، فيما كان فندق “مأرب” الذي يعتلي تبةً وسط المدينة يظهر من بعيد كما لو أنه فنار من حجر بني فاتح وأنيق.

صحيح أن تعز أجبرت مكرهة على حمل السلاح، ولقد كان الأمر مستفزا للغاية خصوصا عندما يهرول إليها مجاميع من المبندقين المغرورين الذين هبطوها وفي ظنهم ان “المبنطلين” لقمة سائغة دون ان يكون في معلومهم ان تعز كسارة الرجال وجبارة الكسور عصية على التطويع خارج منظومة القانون والدولة لأي كائن كان، ذلك لأنها في الأساس مدينة عرفت الضوء وعاشت مع كل الألوان. ودون ان يكون في وعي كباراتها – ايضا – أن نعمة خمسة عقود من تلك المكانة والرفعة والثقافة والحضور العصري الانيق التي حظيت بها تعز كانت هي لوحدها فقط كفيلة بأن تقي تعز الآمنة من شر المآلات الصعبة والبشعة التي وصلت إليها مكرهة بعد ان تم حشر طاقاتها الوفيرة في ميدان حرب لا أحد فيها بوسعه ان ينتصر على أحد.

على أن تعز في حقيقتها مش مجرد مدينة جميلة لأناس مسالمين يحبون الحياة فحسب. تعز مضخة بشرية هائلة لطاقات متنوعة ووفيرة ولو أحسن استغلالها صح، أن الصين الشعبية بتتلبج مفجوعة من هولا الجن.

وفي أسوأ الأحوال لو أحسنت إدارة حرب استرداد الدولة فيها فقط لكانت تعز الآن مدينة السلام التي يلجأ إليها كل اليمنيين الهاربين من سعير الحرب. لكن، وفي الواقع ان هناك سفالات كثيرة رافقت مسيرة هذه المدينة الآمنة الأمر الذي جعل منها عورة مكشوفة ويمكن لأي أحمق أن يختلي بها ويلهو بضفائرها كيفما يشتي خصوصا بعد ان تم تهشيم وتكسير غالبية مقوماتها كمدينة تعاضد عليها كل السفلة والطراطير من عسكر ومشائخ ورجال دين ومثقفين… وبيوت مال لم يأخذوا من آبائهم الاوائل روح التمدن واخلاق العناية، فكانوا مساهمين بجعل تعز تصير ارملة كسيرة بلا ظهر ومن دون هوية ثقافية واضحة بعد ان تواطأوا بشدة مع دواعي إغلاق دور العروض السينمائية وإهمال المكتبات واتحاد الأدباء ومنشآت الرياضة وفرق الكورة والمسرح والفرق الموسيقية فيما راحوا يقدمون الدعم والرعاية لفرق الجهاد وخلطة العريس والحبة السوداء اللي راج صيتها بين عطالات الناس تاركين طاقات الشبان – خصوصا في الأحياء الفقيرة- صيدا سهلا للفراغ، الفراغ الذي تحول أثناء اندلاع الحرب الأخيرة إلى طاقة مؤذية تخاطفتها فرق الجهاد والمبندقون من كل شق، ولم يعد هناك تعز… ولا ميدان.. هناك مناحة للشهداء..!

اترك رد