كنا مرتاحين ليش الكذب

0 485
الصحيفة: إختياراتنا- مقلات

كان معانا بلاد حالية، كل الناس عايشين فيها، على الأمل وعلى بركة التجربة الديمقراطية الوليدة.

وكنا نروح إلى صناديق الإقتراع وإحنا متحمسين، ونتزاحم جنبها وإحنا عارفين النتيجة سلفاً، ولكننا كنا نقترع ونتنافس ونشعر بأن للأيام حظوظ جيدة وحظوظ غير جيدة.

كنا مرتاحين، وكان معانا رئيس يقلفد قدامه قدامه، يخطىء ويصيب، وكان التلفزيون يفتتح لنا كل يوم مشروع، ويضع لنا في كل أسبوع حجر أساس. وكان معانا حكومة واحدة وبلاد موحدة تسير فيها من شرقها إلى غربها، ومحد يقلك من أنت وفين رايح يا فلان؟!

كنا مبسوطين ونعيش بأمان الله، نأكل الحاصل ونشرب الحاصل، ونسافر إلى كل بلدان الدنيا بجوازات سفر لا يقف حامليها على جنب، ولا يتعرضون للإمتهان في المطارات، وكان الطير الجمهوري يحاول أن يطير بنا قدر المستطاع.

كنا معززين مكرمين داخل بلادنا، نسافر إلى كل شبر فيها من دون قلق من نقاط التفتيش، وكان معانا جهاز أمني واحد، يشوفك العسكري في النقاط، يبتسم لك ويقلك: سير في أمان الله.

كنا فقراء نعيش على أمل الستر وعلى أمل تحسين الدخل وعلى أمل الثراء، ومحد مننا كان يخاف من انعدام الرزق أو من مهانة الحاجة، على الأقل إن كان هناك فقير أو محتاج، كان هناك ميسورون وناس تشتغل وأمورهم سابرة، أما اليوم، الصعاليك والقتلة وعيال السوق وتجار الحروب، هم بس اللي يشتغلوا وهم الميسورين.

كنا في نعيم للأمانة، وكان يجي رمضان وإحنا ننتظر الإكرامية، أما اليوم، يجي رمضان والعيد واحنا مراعين لنصف مرتب، وحال الناس في ضنك مستمر ولا من يقل ربي الله.

كانت بلادنا متعافية وتعاني من بعض العظى فقط، وتحتاج لها شوية رزام بس عشان تشتد. الآن بلادنا متوعكة ومدقدقة للطرف، وكلهم يدعسوها ويقارحوها من شق ، وثلاث سنين لليوم ولا زد قامت لها قائمة.

كنا عايشين، نواجه المتاعب والمقالب واحنا مطمئنين أن هناك دائما حل، وهناك دائماً ضوء، وهناك دائماً توافق يعيد ترتيب بيتنا اللي عادة مايجعثه العسكر والساسة ورجال الدين، ومحد مننا كان يتوقع في لحظة واحدة أن نتبهذل في حياتنا هكذا، أو أن تؤول الأمور يوماً ما إلى هذا الإنسداد في كل شيء.

انسداد في الرؤى، انسداد في العلاقات، انسداد سياسي يسد النفس ويخليك عايش الحياة وأنت مش عارف لاوين رايحين ولا عارف أيش ممكن يصير بكره.

الحوثيين وصلوا بالسلاح إلى قمة السلطة، وسدوا علينا كل منافذ الحياة، وسدوا على أنفسهم كل باب للتقارب مع أبناء جلدتهم وأبناء شعبهم الذين يحكموه الآن بالعيفطة وبالقوة وهم مش عارفين أساساً إلى متى سيستمر بهم هذا الحال، وكل طريق بالنسبة إليهم أصبح مسدوداً، وما عد معاهم إلا فوهة البندقية هي المفتوحة.

الحكومة الشرعية هي الأخرى سارت منذ البداية في طريق مسدود حتى وصلت إلى الرياض، وهي لا تعرف كم ستستمر هناك، ولا ما هو الذي سيحدث معها عندما لا تستطيع العودة مكللة بالسلامة وبالنجاح، وها هي الآن من مقر إقامتها في الرياض، تواصل عماها وتخبطها وتسير في طريق مسدود، ولا تستطيع أن تفتح لنفسها منفذاً آمناً للعودة إلى الوطن، الذي قالت بأنها خرجت منه لتفتح أبوابه للشمس.

والآن، لا الحوثيين قادرين يحكموا البلد ويعيدونا فقط إلى مربعنا الأول اللي كنا متعايشين فيه من قبلهم، وكان معانا قبلهم بلاد لليمنيين كلهم، ولا الحكومة الشرعية بأدواتها الخاوية تستطيع هي الأخرى أن تتخارج من محنتها وتخارجنا معاها، ولا يوجد ما يؤكد لنا أساساً بأن الطرفان يخوضان حرباً أخلاقية من أجل إسعاد الناس وأمنهم وسلامتهم.

المصدر: اليمن الغد

اترك رد