كيف نهزم إسرائيل ؟!

0 217

محمد جميح

منذ أكثر من ستين عاماً ونحن ندعو على إسرائيل، فلا إسرائيل انهزمت ولا نحن انتصرنا! لماذا لم يستجب الله لنا؟ هل لأنه ليس معنا، أم لأننا لسنا معه، أم للسببين معاً؟ هل لأننا قلنا «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون»? أم لأننا نقاتل في جبهات أخرى؟ هل لأن إسرائيل انتصرت علينا حضارياً وإنسانياً، أم لأننا انهزمنا بالمعايير الحضارية والإنسانية؟
هل لأن إسرائيل محكومة بديمقراطية نسبية، فيما نحن محكومون بأنواع من الديكتاتوريات الفاسدة؟ هل لأن سجون إسرائيل جامعات يتخرج فيها حملة الدكتوراه، أم لأن سجوننا مسالخ بشرية ومستشفيات مجانين؟ هل لأن لدى إسرائيل قنابل نووية، ونحن ما زلنا نتغنى بذي الفقار؟ هل لأن الإسرائيليين خرجوا من دوائر التيه الذي ضُرب عليهم في الماضي، ليدخلوا في روح العصر الحديث؟ أم لأن التيه الذي ضرب عليهم في سيناء، أصبح مضروباً علينا في هذه الرمال العربية المتحركة، التي تضيع فيها النجوم والاتجاهات ومعالم الطريق؟
عندما ننظر إلى حقيقة أن القضاء الإسرائيلي حكم بالسجن على رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت في تهم فساد، وأنه قضى 16 شهراً وراء القضبان، وأن الرئيس الإسرائيلي الأسبق موشيه كتساف سُجن خمس سنوات، بتهمة الاغتصاب والتحرش الجنسي، حينها نعرف أننا لن ننتصر على دولة الاحتلال، ما دامت سجون إسرائيل للفاسدين والمجرمين، حتى لو كانوا رؤساء، وسجون العرب للمناضلين وأصحاب الرأي، حتى لو كانوا أبرياء.
وإذا كانت أعلى نسب الفساد في الدول العربية موجودة في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهي المؤسسات المعنية بمواجهة إسرائيل، فلنا أن نعرف نوعية النصر الذي يمكن تحقيقه! أضيفوا إلى ذلك أن البروفيسور ألان سافتز اليهودي البريطاني من أصل ألماني، الذي كان يعمل في كلية اللغات في جامعة ليفربول، كان يقول لي في نقاشات ساخنة: إن العرب لن يهزموا إسرائيل، لأن اليهود لا يقتلون أنفسهم، فيما يذبح العرب بعضهم بالمناشير الكهربائية، ويقتلون بعضهم بالأحزمة الناسفة. وعندما ذكرته بحروب دويلات اليهود القديمة مع بعضها، قال: مشكلتكم أنكم تنظرون دائماً إلى الصفحات السوداء في ماضينا والصفحات البيضاء في ماضيكم، بدون أن تروا صفحات حاضركم السوداء، وصفحات حاضرنا البيضاء، نحن اليوم لا نقتل بعضنا، أنتم تفعلون. أضاف: خذها بصراحة: لن تنتصروا علينا عسكرياً، ما دمنا متقدمين عليكم حضارياً.
كيف يمكن أن ننتصر على إسرائيل إذن؟
دعونا نكون أكثر تحديداً: لكي نهزم إسرائيل يجب أن تكون سجون السلطة الفلسطينية، مثلاً، خالية من مقاومي الاحتلال الإسرائيلي، لأنه لا معنى أن ندعي العمل على تحرير الأرض ونسجن مناضليها بتهم وجهها لهم الاحتلال.
إن العالم يسخر حقيقة من وجود سلطة فلسطينية تعد الأكثر تنسيقاً أمنياً مع الدولة التي تحتل أرضها، تحت مبررات «المقاومة السلمية» لهذا الاحتلال. ومع أنه لا يمكن بحال التقليل من شأن المقاومة السلمية، إلا أن هذا النمط من المقاومة لا يقوى عليه من عجز أصلاً عن المقاومة المسلحة، لأنه أصعب بكثير منها، وما دعاوى المقاومة السلمية بمفهوم السلطة الفلسطينية اليوم إلا ضرب من التطبيع مع الاحتلال والتسليم له، وقمع معارضيه، إذ كيف نستعمل أساليب المقاومة السلمية مع الاحتلال، ثم نستعمل أساليب الردع العنيف مع معارضيه؟ إن المقاومة السلمية في حقيقتها تعني أن المقاوم متقدم أخلاقياً وحضارياً وإنسانياً على دولة الاحتلال، التي تتقدم عليه عسكرياً وتكنولوجياً فقط، ولذا نجحت المقاومة السلمية للمهاتما غاندي ونيلسون مانديلا، فهل هذه هي الحال في توصيف طبيعة الاشتباك بيننا وبين إسرائيل؟
دعونا نتوسع قليلاً، لنقول: هل يعقل أن النظام السوري مثلاً يمكن أن يحرر فلسطين، فيما يده ملطخة بدم أكثر من نصف مليون سوري؟ هل يمكن أن نصدق أن الإيرانيين سيدمرون إسرائيل، وهم الذين دمروا، أو أسهموا في تدمير الحواضر العربية القريبة من إسرائيل في العراق وسوريا؟
إن أكبر مصيبة أصيبت بها فلسطين بعد الاحتلال هي أنها وضعت كسلعة في المزادات السياسية لأنظمة لا تريد لها، أصلاً أن تتحرر، لسبب بسيط، وهو أن هذه الأنظمة تكتسب مشروعيتها الوحيدة من الدعاية الثورجية والقومجية ضد إسرائيل، لأنها، في الأصل، تحكم بدون أي مشروعية شعبية حقيقية تستند إلى انتخاب ديمقراطي، أو رصيد اقتصادي وتنموي، أو إبداع سياسي ومدني، ولذا مهم لتلك الأنظمة أن تظل الأراضي الفلسطينية محتلة، لتظل هي قائمة على أساس من «المشروعية الثورية المقاومة للاحتلال الإسرائيلي».
نحن هنا نتحدث عن الأنظمة التي ترفع شعار مقاومة إسرائيل، ناهيك عن غيرها من الدول العربية الأخرى، التي انكفأت على مشاكلها الداخلية، ونسيت القضية. إن نجاح الأنظمة الثورجية في استغلال القضية الفلسطينية يرجع إلى حالة النفاق، الذي يعد أحد أهم أوصاف حياتنا السياسية والاجتماعية، ولذا نجد أننا أكثر الشعوب رفعاً للشعارات ولصور الزعماء، في الوقت الذي نعرف فيه كذب تلك الشعار

ات، كما يعرف الزعماء كذب ونفعية من يرفعون صورهم. إن النفاق الذي لوث حياتنا السياسية والمجتمعية، يمكن إرجاعه إلى حالة القمع السياسي والكبت الاجتماعي والشلل الفكري والثقافي الذي نعانيه، والذي شوه الجوانب المختلفة لحياتنا، وجعل باطن حقائقنا مختلفاً إلى حد التناقض مع أقنعة وجوهنا، في حياة أشبه ما تكون بحفلة تنكرية سخيفة ممتدة على امتداد ليل طويل، نرتدي فيه زيفنا وخداعنا، ومظاهرنا الفارغة.
باختصار، لكي ننتصر يجب أن يبدل العرب رمزية الحاكم ليضعوا مكانها قدسية القانون، أن يحلوا قوة الدستور محل بطش السلطات، أن يجعلوا الولاء للمعاني لا للألفاظ، للقيم لا للأشخاص، وللأوطان لا للأنظمة الحاكمة. لكي ننتصر على إسرائيل يجب أن نتعلم منها. أن نتعلم من العدو كيف يكون قليل الكم، قوي الكيف، أن نحل معادلة 5 ملايين إنسان يتغلبون على أكثر من ربع مليار نسمة!
لقد استطاع اليهود تجاوز محنة «التيه الجيوتاريخي» وشكّلوا قومية دينية استطاعت الصمود، وضربت العرب في كل المعارك التي دخلوها، فيما خرج العرب منكرين هزيمتهم في ادعاءات أشبه ما تكون بعنتريات القبيلة العربية القديمة. إن تسمياتنا لهزائمنا المريرة تعكس أننا نحمل رأساً صغيراً لنعامة ضخمة تدسه في رمال الأوهام والميثيولوجيا الميتافيزيقية، الأمر الذي جعلنا نخفف هزائمنا المدوية بتسميات من قبيل: نكبة ونكسة، أو نفخم هزائمنا بتسميات مثل: أم المعارك والوعد الصادق وغيرها من التسميات التي تعكس حالة الإنكار التي نعانيها منذ عقود طويلة؟!
إن العرب ومنذ ستين عاماً يحاولون تلمس طريقهم للخروج من متاهة المراوحة بين القديم والجديد، الأصيل والدخيل، والماضي والحاضر، وفِي كل مرة يوشكون فيها على تجاوز برزخهم الكثيف، يعودون مرة أخرى إلى نقطة البداية. مشاكل العرب كثيرة اليوم، ولا مشكلة في وجود المشكلة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الحل، أو عدم القدرة على التوصل إليه، أو حتى عدم الرغبة فيه. المشكلة أن العرب يشعرون أحياناً أن كلفة المشاكل أعلى من فاتورة الحلول، ولذا يفضلون التعايش مع مشاكلهم على اجتراح حلول لها نتيجة لكسلهم الذهني ونفورهم من روح المغامرة والتجديد.
لقد أصبحنا نحن اليوم «الكيان المصطنع»، فيما إسرائيل، للأسف تمضي مسجلة لنفسها مكانة دولية: سياسياً واقتصادياً، وعلمياً وحضارياً، رغم أنها دولة احتلال!
قد لا نتقبل هذه المقولة، لا لأنها ليست حقيقة، بل لأنها مرّة، ونحن لا نقبل المرارة إلا في قهوتنا العربية التي نحتسيها في وقت استرخائنا الطويل! لكي ننتصر على إسرائيل، يجب أن نعرف أننا لسنا مقربين من الله أكثر من غيرنا، إلا بالإيمان والعمل الصالح، كما يقول القرآن، الذي يقول لنا: «ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يجز به»، في إشارة إلى أننا لسنا «خير أمة أخرجت للناس»، على طول الخط، ولكن بشروط محددة، إذا فقدت انتفت هذه «الخيرية».
أخيراً: لو كنا اليوم «خير أمة»، لما كانت أراضينا محتلة، ولو كان اليهود «شعب الله المختار»، لما أقاموا دولة على أرض شعب شردوه، على أسس عنصرية مخالفة لتعاليم النبيين، وبما أننا وهم كذلك، فإن النصر- اليوم – يكون من نصيب الأكثر ديمقراطية وعدالة، والأكثر تقدماً علمياً، والأقرب إلى قيم الحضارة البشرية في جوهرها الإنساني، أو بلغة القرآن الأكثر «إيماناً وعملاً صالحاً»، وهنا يكون السباق نحو النصر المبين

اترك رد