محمد عبدالرقيب_نعمان يكتب عن المسرح_والتنمية

0 228

الصحيفة: خاص : تعز
فنون و اداب

المسرحيون الحقيقيون في بلادنا يدركون الاهمية البالغة لضرورة إيجاد مدخل حقيقي يفضي إلى إقامة مسرح يمني جاد أصيل له أسلوبه وطريقته في تقديم فنٍ راقٍ يلتزم بقضايا المجتمع وخصائصه وتكوينه الجمالي الغني بإرثه الثقافي والحضاري .
وفي سياق البحث عن المدخل الحقيقي للمسرح الذي ننشده يقتضي تصويب بعض المفاهيم المتعلقة بالعملية الابداعية على خشبة المسرح ، كأرضية للانطلاق .
ونحاول هنا أن نضع بعض الملاحظات وتفسير بعض التعريفات لبعض الوظائف التي يضطلع بها المسرح ..

الملاحظة الاولى .. ماهية الوظيفة :
يمكن إدراك ماهية الوظيفة الاصلية للمسرح من خلال تجربتين .
تجربة المحك العملي *
تجربة التعامل النظري *
*عناصر العرض المسرحي { النص ، الاخراج ، التمثيل ، الجمهور ، مكان العرض } وتجربة المحك العملي تتيح امامنا فرصة الالتحام المباشر مع عناصر العرض المسرحي أخذا وعطاء على خشبة المسرح بين عناصر المسرحي .

*تجربة التعامل النظري وتعني إستعراض جملة من التعريفات الفلسفية للعديد من المفاهيم المتعلقة بفن المسرح عبر وسائل مختلفة ، مقاليه منها التاليف والكتابة عن المسرح ، والمحاضرات والندوات ، او المشاركة موسمية باعمال تغفل عناصر العرض المسرحي وتتكئ على بعضها او احدها . فالعرض المسرحي يسقط اذا سقطت إحدى اركانه الخمسة
إذا … علينا اولاً أن نحدد موقفنا .. وماذا نريد ؟؟
هل نريد مسرحا يستند على نظرية “المحك العملي” ؟
أم نريد نظرية تستند على المسرح “التعامل النظري” ؟

الملاحظة الثانية . الاشكاليات .
لابد من حسم إيجابي لاشكاليات إستيعاب المفاهيم الجمالية بتحديد التعريفات العلمية لمعنى “المسرح” والفعل المسرحي ووظيفة المسرح .
الملاحظة الثالثة . غياب الرؤية .
وضع إستراتيجية واضحة الرؤية ذات رسالة هادفة لما يجب أن يكون عليه المسرح في اليمن .. وذلك لن يتأتى الا بـ :
– توفر مناخ الحرية والمسؤولية في واقع ديمقراطي حقيقي يؤمن بالاخر .
– بذل المزيد من الجهد والعمل الدؤوب .
– إتاحة المجال لتقديم الابداع الحقيقي بوجود النقد البناء وبالمزيد من النقاش المثمر .

المسرح والفعل المسرحي :
إن أضيق معاني كلمة مسرح تعني مكانا لتقديم العروض المسرحية ، يضم مستويين احدهما للممثلين والآخر للمشاهدين .
والتعريف الشائع للمسرح انه .
” الاداء الابداعي المنظم من قبل جماعة إبداعية متجانسة يشكلون مع جمهور المشاهدين جميع عناصر العرض المسرحي” ..

والفعل المسرحي يعني :
“تجسيد حدث ما على خشبة المسرح”
بالترابط الوثيق بين الفعل المسرحي ومصادرة المتمثلة بـ :
– الجماعة الابداعية المتجانسة تقف على خشبة المسرح بحرية واقتدار وكفاءة
– قاعدة متينة من التراكمات المعرفية والعلمية وهي جوهر الفعل المسرحي ..

المسرح اليمني والفعل المسرحي .
الصراع المستمر بين الابداع ونقيضه خلق فجوة وهوة سحيقة ابتلعت الابداع والمبدعين . فاعتمد المسرح اليمني على الفعل المسرحي لتوصيل مفاهيمه ، ليظل مفهوم مفرغ من ادواته ومضامينه ومصادره الفكرية ، بتنصيب عناصر موالية لجهات لاتمت للابداع بصله ، مهمتهم رعاية الابداع وتقديمه لجمهور المشاهدين . فسقط المسرح اليمني في فراغ التواجد الجماعي .
وهذا الانحسار إنعكس على الروح المعنوية وولد الاحباط المتراكم ، وظهر الفعل المسرحي على خشبة المسرح هزيلاً تائها مشلولاً يقف على ارضية رخوة ويستند إلى الحائط النقيض للابداع . ماجعل المسرح اليمني يصنف كفعل مأزوم في المشهد الثقافي اليمني ، كما يصفه الكثير من المهتمين والمتابعين .
لنخلص إلى “ان غياب الفعل المسرحي في اليمن نتيجة غياب مصادر الابداع” . .. وهي :
– المجموعة الابداعية المتجانسة .
– الرؤية الفكرية .
لمعالجة هذه الاشكالية فلابد من ضرورة الاخذ بالشراكة المجتمعية في ظل رعاية والتفاته رسمية باتجاه بناء ثقافي يقيم اركانه المتصدعة ويضع البدائل المناسبة لاقامة حركة مسرحية وخلق فعل مسرحي يرتبط بالحاجة المجتمعية الملحة بالبناء والتنمية . فلا تنمية بلا تخطيط ولا تخطيط بلا ثقافة ولا ثقافة بدون فعل مسرحي يحاكي الواقع ويعالجه .
والمسرحيون الحقيقيون الذين أبت أقدارهم إلا ان تجعلهم حاملين لمشعل التنوير كمعلمين لمجتمعهم وهي مسؤولية جسيمة لايقوى على حملها إلا المتسلح بالمعرفة الحقة .
فإذا وقفوا مع انفسهم واعترفوا بجسامة المسؤولية فانهم سيقفون على عتبة المدخل الحقيقي الذي يفضي إلى تكوين رؤية إستراتجية فكرية يسطرون رسالتها ورؤيتها لانفسهم بانفسهم ..

وظيفة المسرح .
المسرح مكون من مكونات المجتمع المدني تختلف وظيفته باختلاف الحاجة الاجتماعية التي يسعى المجتمع إلى اشباعها ، بتواجده بين جدران المسرح { متفرجا ، منظما ، راعيا للعرض } .
وتغيب وظيفة المسرح اليمني في واقع الحياة العامة في المجتمع ، لغياب الرعاية الرسمية والاحجام الذي يصل حد الاقصاء المؤدلج من الشراكة المجتمعية نتيجة الافتقار لمعرفة اهمية الخاصية الثقافية التي ينفرد بها المسرح كفكر تنموي ووسيلة هامة ومؤثرة في الاتصال الجماهيري المباشر(الدراما ، الفعل الانساني) .

الفكر التنموي .
إن الفكر التنموي يدرك الاهمية البالغة للدراما المسرحية كوسيلة فاعله توصل برامجه وخططه واهدافه وتؤثر تاثيرا إنسانيا مباشرا يتعاطى معها المجتمع ويتفاعل مع إطروحاته التي تحاكيه وتعبر عنه بتفاعلها العلمي المعرفي الخلاق مع مفاهيمه وارثه الثقافي الحضاري ومع فلكلوره الخاص . ليعكس هذا التمازج بصورة أعمال إبداعية فنية تستمد مادتها واسلوبها من طبيعة المجتمع وخصوصيته .
والفكرالتنموي كمفهوم له أثره ووقعه في التاثير على الناس كبوصلة في تحديد توجهاتهم .
فتنمية قدرات المجتمع وحث الروح الايجابية البناءة للبناء والتنمية لا يقتصر على الآلات والمعدات فقط . فكل شيء يبدأ بالانسان باعتباره هدف التنمية وغايتها ووسيلتها .
ومن هنا تاتي أهمية ودور المسرح في التنمية بمفهومها الشامل وباعتباره ابو الفنون ، ولا تكتمل المدنية والحضارة ، إلا برحابه وبمشاعله المضاءة لتنشر النور في طريق السائرين نحو الدولة المدنية الحديثة .

المسرح التنموي .
” هو القدرة على توظيف الفنون والموروث الشعبي بخيال واسع وكفاءة إبداعية خلاقة ، لبث الوعي التنموي والتحول الايجابي لدى المجموعات المستهدفة ، بغية التطور والتنمية البشرية ، واشباع حاجات المجتمع وتحقيق اهدافه التنموية “.
اذا كانت المشاكل تورث فمن الممكن أيضا إيجاد الحلول . والمسرح التنموي يقوم على توظيف الأشكال الثقافية والأجناس الإبداعية والشعبية المتعددة بواسطة المجموعات الابداعية المتجانسة ، بغية تنشيط عناصر التنمية البشرية لتعزيز القيم الانسانية والجمالية لإيصال المفاهيم التنموية مثل البناء ، التعليم ، الصحة ، حماية البيئة ، الخ ، وذلك بتوظيف القيم المختزلة في عناصر ومكونات تلك الثقافات ومحاكاتها على خشبة المسرح .
فالعملية الدرامية التي يطلق عليها إصطلاحا “المسرح التنموي” تحتاج لمقدرة فكرية عالية وخيال إبداعي ثري ، بالإضافة لمعرفة دقيقة بطبيعة أفكار وقيم المجتمع والبيئة الحاضنة والمجموعات البشرية المختلفة والمستهدفة ببرنامج التنمية
ويجد مجال المسرح التنموي اليوم رواجاً كبيراً في كافة أنحاء العالم ، ولعل المسرح التنموي بهذا المعنى الشامل معروف لدى كافة الشعوب والمجموعات البشرية المتعددة .
وهنا نؤكد . أن عناصر المسرح التنموى متوافرة في كل انماط ثقافاتنا الوطنية وفي موروث حكايتنا وفنونا الشعبية اليمنية .
ولا يجب أن يعني ذلك الجمود في إطار الموروث القديم، وإنما يتحقق ذلك من خلال التفاعل البناء بين الأصالة والتجديد، ومن الأهمية بمكان الإنفتاح على الثقافات الأخرى لإثراء للثقافة الوطنية.
المسرح الذي نريد .
المسرح من أجل التنمية يوجد ، حيثما يتوفر عدد من المسرحيون الذين يعملون مع المجموعات المتنوعة والمتعددة في مجال التنمية أو مع المنظمات المختلفة التي تعمل في هذا المجال الحيوي ، يساعدون في خلق المسرح ذو الرسالة الإنسانية وهذا النوع من المسرح يتراوح بين الدراما والأغاني البسيطة التي تحمل ألحاناً ذات رسائل واضحة في الحقل المحدد .
وبتحفيز ذاكرتنا الجمالية سنرى مرحلة مشرقة عايشناها وهي تواكب ثورة التصحيح التي استطاعت بفترتها الوجيزة إشراك الفن في التنمية والعمل التعاوني الذي كان رمز تلك المرحلة المشرقة التي ارتبطت فيها جميع مكونات المجتمع بالعمل والاتناج من اجل التصحيح . فنشر الاثير أجمل الاناشيد والاغاني الوطنية المستلهمة من الموروث الفني الفلكلوري اليمني لتجد صداها يردده العمال والفلاحين والطلبة والعسكرين . ترنم بها معظم فناني تلك الاشراقة منهم الاستاذ الفنان – ايوب طارش ، باعماله الخالدة والانسي والسمة والرائع – عبدالباسط عبسي . وهؤلاء النوابغ الذين تالقوا في سماء الفن والابداع ونحتوا الاصالة فنا في ضمائرنا ، كان بفضل ارتباطهم الوثيق بالارث الجميل ارضاً وإنسانا . وستظل أعمالهم الفنية خالدة بخلود هذه الارض .
ولا شك أن تطوير تقنيات الأداء الثقافي والإعلامي شكلاً ومضموناً ، والتعامل معهما باحترافية ، سوف يسهم في تفعيل دورهما في تشكيل النظام الاجتماعي وتوجيهه لرفع المستوى الفكري والجمالي والذوقي لأفراد المجتمع ، فضلاً عن المساهمة في صياغة الهوية الحضارية للمجتمع ، وتحفيز الوعي والإبداع والإنجاز وتحقيق أهداف التنمية ……

#محمدعبدالرقيب_نعمان
ورقة مشاركة في ندوة “المسرح الذي نريد”
منتدى السعيد الثقافي
28 مارس 2013

اترك رد