مرثية يمنية…يكتبها الدكتور احمد يوسف أحمد

0 602
الصحيفة متابعات : عن جريدة ألاهرام المصرية
 مازلت أذكر ما جرى مساء الحادى عشر من فبراير 2011 وكأنه الأمس. كان مبارك قد استقال من دقائق قليلة وإذا بى أتلقى اتصالاً هاتفياً من «محمد» تلميذى اليمنى النجيب الذى أصبح أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة صنعاء. ظننت المكالمة لمجرد التهنئة فإذا به يضيف إليها «لا تتخيل مشهد ميدان التحرير الآن (فى صنعاء وقد سُمى كذلك بعد ثورة 1962) فقد خرج اليمنيون من كل مكان بعد تنحى مبارك يطالبون برحيل صالح»، ولم يكن هذا يعنى بحال أن الانتفاضة الشعبية الثورية فى اليمن كانت رد فعل لثورة يناير فقد بدأ النضال الشعبى ضد نظام صالح ذى الثلث قرن عمراً قبل ذلك بكثير، بل لقد كان الشعب اليمنى فى تاريخ العرب المعاصر مبادراً بمحاولات التغيير كما فى محاولة إقامة ملكية دستورية فى 1948، لكن المعنى كان يشير إلى التأثير الخاص لما يجرى فى مصر على اليمن كما بدا مثلاً من التأثر الواضح للحركة الوطنية اليمنية بتجربة عبد الناصر بدءاً من منتصف خمسينيات القرن الماضي، ويكاد نموذج التغيير السياسى فى اليمن يشير إلى غلبة لتأثير العوامل الإقليمية على مجريات التغيير دون استبعاد للعوامل العالمية أو المحلية، لكن المصالح الإقليمية لا تحتمل المزاح. فى 1948 سارع الجوار إلى توفير المقومات المطلوبة لإجهاض محاولة التغيير، وهكذا فعل فى محاولة 1955 لكن الأمور تغيرت فى 1962 وطلب الثوار نجدة عسكرية من مصر ففعلت وتحولت الموازين لا لصالح الثورة فى الشمال فحسب وإنما لصالح الحركة الوطنية فى الجنوب أيضاً، وهكذا لم تستقر الثورة فى الشمال فقط وإنما نجحت الحركة الوطنية فى الجنوب بدعم مصرى كامل فى انتزاع استقلالها فى نوفمبر 1967.

وتطورت الأمور بعد ذلك فى اليمن على نحو ما مرت به من تقلصات عنيفة انتهت بوصول على عبد الله صالح إلى الحكم فى 1978 ونجاحه فى تحقيق استقرار وتنمية وبناء جيش قوى بل وإنجاز الوحدة بين شطرى اليمن, لكن ما أصاب النظم غير الديمقراطية أصابه من فساد واستبداد فتهيأت الظروف لمعارضة يمنية حزبية وشعبية استبقت ما عُرف ابتداءً بالربيع العربى وإن زودها بزخم ظاهر، وكان أداء الانتفاضة الشعبية اليمنية لافتاً على نحو لا يمكن السماح باستمراره وتحقيق أهدافه، وفى هذا السياق يمكن فهم «المبادرة الخليجية» المدعومة أمريكياً والتى جعلت من الانتفاضة أقل من «نصف ثورة»، فقد تنحى صالح لنائبه وبقى المجلس التشريعى الذى يتمتع بأغلبية كاسحة فيه كما هو وتكونت وزارة نصفها من نظامه والنصف الآخر من المعارضة وإن رأستها قامة يمنية معارضة رفيعة مشهود لها بالوطنية والنزاهة، غير أن أسوأ ما تضمنته هذه التسوية أنها لم تكتف بتحصين صالح ضد الملاحقة القضائية وإنما لم تعزله سياسياً بحيث عاد إلى قلب المعترك السياسى على رأس حزبه متسلحاً بما جناه من أموال إبان حكمه بالإضافة إلى ولاءات عسكرية وقبلية نسجها بإحكام طيلة ثلث القرن الذى دامت فيه سلطته، ولم يكتف بهذا وإنما تحالف مع «الحوثيين» الذين حاربهم فى السنوات السبع الأخيرة من حكمه إما انتقاماً من الثورة التى أطاحت به أو أملاً فى أن يكونوا قاطرته للعودة إلى حكم اليمن الذى شبهه بـ »الرقص على رءوس الأفاعي»، لكن حساباته خابت للمرة الأولى ودفع حياته ثمناً لها بعد أن سهل سرقة الثورة من قبل الحوثيين الذين ركبوا موجتها رغم التناقض الجذرى بين أفكارهم الطائفية السلالية التى يريدون بها العودة باليمن إلى نظام الإمامة وبين أى فكر ثوري.

هكذا سُرقت الثورة اليمنية كما سُرقت من قبلها شقيقتها المصرية وإن قيض الله لمصر أغلبية شعبية متماسكة وجيشاً وطنياً قوياً يحمى ثورتها، بينما أفلت «الحوثيون» حتى الآن بجريمتهم بعد أن سهل لهم صالح الاستيلاء على مؤسسات الحكم بما فيها جُل المؤسسة العسكرية، ولم تفلح كل محاولات الشرعية وأنصارها حتى الآن فى استرداد الثورة, إما بسبب الانقسامات أو الممارسات الخاطئة داخل قوى الشرعية أو الحاجة إلى تغيير فى التكتيكات والاستراتيجيات المتبعة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لتصفية الانقلاب أو الدعم الخارجى الإيرانى تحديداً الذى يحصل عليه الانقلابيون, ناهيك باستغلال أخطاء قوى الشرعية، ويبقى الشعب اليمنى هو الضحية الأولى لكل ما جرى ويجري، فقد صُفيت ثمار جهوده التنموية على مدار عقود ويعانى أبناؤه عامة وأطفاله خاصة من حياة غير آمنة لا تتوافر فيها أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة وشُتتَت نخبته وعوائله بين عديد من البلدان العربية وغير العربية دون أن تهتز شعرة فى رأس أى أمير من أمراء الحرب، ولذلك لم أعد أملك لهذا البلد الحبيب الذى عشت فيه بعضاً من أجمل سنين عمرى سوى الدموع والدعوات كلما رأيت طفلاً يمنياً صغيراً يلفظ أنفاسه جوعاً أو مرضاً, أو رأيت وجهاً لطفل آخر تبدو ملامحه لرجل فى التسعين من عمره ,أو شاهدت طفلاً ثالثاً يشرب من مياه قذرة ملوثة مهلكة. لقد عاصرت سنوات البناء الأولى فى هذا البلد ومازلت أذكر فرحة اليمنيين البسطاء وفرحتى بكل طريق يشق وكل أرض تزرع وكل حبة فاكهة تخرج منها وكل مصنع يُقام وكل كلية تُنشأ، ومازال حفيف أثواب طلبة جامعة صنعاء وطالباتها وهم يهرولون إلى مدرجاتهم فى الصباح الباكر سعياً إلى علم نافع يثير شجونى ومازلت أشتاق إلى أنفاس رُبَى صنعاء الحبيبة عصر كل يوم، فاللهم الطف باليمن وشعبه وقيض له من بين أبنائه من يقدرون على تحطيم هذه الحلقة المفرغة الخبيثة والانعتاق منها والولوج باليمن إلى مستقبل يستحقه فقد طال السفر.

اترك رد