من هنا تتحرر تعز؟!

0 377


سمير رشاد اليوسفي

تحتاج محافظة “تعز” للتحرر من الأحقاد والضغائن، والعودة إلى الرشد أكثر من حاجتها للتحرر من قبضة “الحوثيين”..
ولا يعني هذا “التهوين” من خطر “الحوثيين” بقدر ما يعني التأكيد على أنّ أي خطر سوف يتلاشى في حال عودة العقل لهذه المحافظة المنكوبة بمن تَسيدوا عليها في غفلة من عقلائها.

فلقد أفرطت تعز في تطرفها حتى وصل بها الحال إلى العمى، والتيه، والتخبط.. فتسببت في ردود أفعال وبروز أحقاد ضدها من مختلف الأطراف والتكوينات، أدت في مجملها إلى الوضع المتأزم الذي تعيشه، دوناً عن غيرها، منذ أكثر من ثلاث سنوات.

في الخروج إلى الساحات عام 2011 كان حضور أبناء محافظة “تعز “لافتاً حتى في المظاهرات التي شهدتها “صنعاء” و”إب”و”عدن”.. وبعد توقيع المبادرة الخليجية بأسابيع قطع المئات من شباب وشابات تعز أكثر من 300 كيلومتراً مشياً على الأقدام في مسيرة استعراضية من تعز إلى العاصمة صنعاء، غالبيتهم من تجمع الإصلاح، وكان من بينهم عشرات المنتمين للتيار الحوثي أعلنوا رفضهم للمبادرة الخليجية، الأمر الذي أعطى انطباعاً عند أبناء المحافظات الأخرى أنّ تعز تعلن وصايتها على اليمن، وترفض ما توافق عليه الجميع.

ورُغم ماقيل حينها أنَّ تلك المسيرة تُعتبر خاتمة طبيعة لحماسة شباب الساحات، إلاّ أن الأمر لم يتوقف عند ذلك، فزاد الطين بللاً بعودة المظاهرات والاعتصامات في شوارع المدينة ضد المحافظ “شوقي أحمد هائل” -الذي عينه الرئيس التوافقي “عبدربه منصور هادي” منتصف إبريل 2012، مُصِّراً عليه بعد ممانعة من أسرته التي تدير أكبر مجموعة تجارية وصناعية في اليمن، وهو من أكفأ شباب المحافظة، وحاصل على ماجستير إدارة أعمال من جامعة أميركية وترك موقعه الكبير في مجموعة عائلته متفرغاً لمهمته في تطوير المدينة- إلاّ أنَّ المحافظ لم يجد تعاوناً، ولَم يسلم من الأذى، طيلة فترة عمله القصيرة التى شهدت إنجاز العديد من المخططات لمشاريع عملاقة كانت على وشك التدشين، لولا الانقلاب على الدستور وما تلا ذلك من تداعيات وحرب.
وحتى بعد إعلان “عاصفة الحزم” كان متوقعاً من القيادات والأحزاب التي تصدرت المشهد في المحافظة أنْ تحزم أمرها لما فيه مصلحة المواطنين الذين لطالما هتفت مظاهراتها بإسمهم ، فتحافظ على أمنهم وأموالهم وتصنع النصر الذي كان متوقعاً منها لكثرة عدد المنتمين إليهاوعتادهم..لكن واقع الحال أثبت أنهم لايزالون مختلفين.. غارقين في المماحكات والصغائر، حتى وصل بهم الخلاف إلى الإقتتال على المؤسسات والجهات التي حملوا السلاح بزعم حمايتها، فحرروها من كل محتوياتها .. وصارت خراباً يباباً.

في مطلع العام 2012 اكتشف كثير من شباب تعز، بعد فوات الأوان، أنهم لم يكونوا سوى مخالب استخدمها “حميد الأحمر” لينال من خصمه “علي عبدالله صالح” وفِي ذلك المعترك المُشبع بالكراهية، تم استجلاب”الحوثيين” من “صعدة” إلى ساحة التغيير مع دعم مالي ولوجستي .. وتناسلت الأحقاد، لتصيب عدواها مختلف الأطراف بمن فيهم الرئيس السابق، الذي ضحى بحياته تكفيراً عن خطئه .. فخسر الجميع جمهوريتهم بما كانت عليها من نواقص.

وهاهي ذي تعز تعيد إنتاج أخطاءها، وأحقادها.. وبسبب إشاعات حول “الحزام الأمني”تخوض المدينة قتالاً ضارياً بين من كانوا حلفاء ومقاتلين في جبهة واحدة.. ليبلغ الحقد منتهاه بتحريض بعض أبناء تعز المعتاشين من “قطر” على التحالف الذي كانوا أول من هلل له.. يفعلون ذلك بعدما رفض المحافظ الجديد وصايتهم على المدينة، وبدأوا يشنون حملات مكثفة عليه كدأبهم مع كل مسئول صاحب فكر مستقل.

وفي ذلك، لم يعد النظام الجمهوري مهماً لديهم طالما حزب الرئيس السابق يشاركهم المعارك، مهددين بالتحالف مع الحوثي إذا اقترب حراس الجمهورية من تعز .

مؤسف جداً أن تتحول هذه المحافظة إلى أداة للصراع والانتقام وتصفية الحسابات، ومؤسف جداً تقلبها دون بصيرة من سيءٍ إلى أسوأ.. لكن الأمل لايزال معقوداً بتداعي نُخَبها ومثقفيها للعودة بها الى جادة الرشد والصواب.

فالإعتماد على الحماس والنزق المفضي لتهميش مراكز الثقل وذوي التأثير يقود البلدان إلى مهاوي الاحتراب..
والاغترار بكثرة العدد، مع إقصاء الكفاءات وتقديم المنفلتين والطائشين والحاقدين على الحكماء وأصحاب الخبرات ورؤوس الأموال والوجاهات سيدمر ما تبقى من هذه المدينة ، فالنار تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله .

اترك رد