نشأة منظمة التحرير الفلسطينية

0 237

تقدمت وزارة الخارجية المصرية بتوصية إلى مجلس جامعة الدول العربية، في مارس 1959؛ من أجل العمل على إبراز الكيان الفلسطيني. فوافق، في دورته الحادية والثلاثين في 9/ مارس على قرارات تتعلق بالشعب الفلسطيني، بعد بحث مجلس الجامعة للمرة الأولى موضوع “إعادة تنظيم الشعب الفلسطيني وإبراز كيانه شعباً موحداً، لا مجرد لاجئين بواسطة ممثلين يختارهم”. ودعت قرارات المجلس إلى إنشاء “جيش فلسطين في الدول العربية المضيفة”. وواكبت هذه الدعوة إنشاء “الاتحاد القومي الفلسطيني”، في مصر وغزة وسورية؛ ودعوة عبدالناصر إنشاء كيان فلسطيني، غايته: “مواجهة نشاط إسرائيل لتصفية المشكلة الفلسطينية وإضاعة حقوق شعب فلسطين”. لكن عدم تنفيذ القرارات المتعلقة بالكيان الفلسطيني، دفع القاهرة إلى تقديم مذكرة إلى الجامعة العربية، تطالب بإبراز الشخصية الفلسطينية؛ وذلك خلال اجتماع مجلس الجامعة في شتورة، في أغسطس 1960.

حددت لجنة الخبراء التابعة لجامعة الدول العربية في يوليو 1962، شكلاً للكيان الفلسطيني، يقوم على أساس الدعوة إلى مجلس وطني، يضم التجمعات الفلسطينية. وتنبثق منه جبهة وطنية تقود الشعب الفلسطيني؛ ويكون لها اختصاصات عسكرية وسياسية وتنظيمية وإعلامية ومالية. إلا أن معارضة الأردن، والخلافات بين بعض الدول العربية، حالت دون تقديم المشروع إلى مجلس الجامعة.

إثر وفاة أحمد حلمي، رئيس “حكومة عموم فلسطين”، وممثل فلسطين لدى الجامعة العربية، بحثت الدورة الأربعون لمجلس الجامعة في 15 سبتمبر، تعيين خلف له. واختير أحمد الشقيري لهذا المنصب على معارضة الأردن والمملكة العربية السعودية لذلك. وصدر قرار المجلس الرقم 1933، باختيار “السيد أحمد الشقيري مندوباً لفلسطين لدى مجلس جامعة الدول العربية، وذلك طبقاً لملحق ميثاق الجامعة الخاص بفلسطين؛ وإلى أن يتمكن الشعب الفلسطيني من اختيار ممثليه”. ودعا القرار الشقيري إلى زيارة الدول العربية، من أجل بحث القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، والوسائل التي تؤدى رفعها إلى ميدان الحركة والنشاط. وأكد القرار نفسه:

1. أن الشعب الفلسطيني، هو صاحب الحق الشرعي في فلسطين. وأن من حقه أن يسترد وطنه، ويقرر مصيره، ويمارس حقوقه الوطنية الكاملة.

2. أن الوقت قد حان، ليتولى أهل فلسطين أمر قضيتهم. وأن من واجب الدول العربية، أن تتيح لهم الفرصة لممارسة هذا الحق.

3. تأييد المبادئ العامة، التي وردت في مذكرة عراقية دعت إلى إبراز الكيان الفلسطيني، بإجراء انتخابات بين الفلسطينيين لتكوين مجلس وطني فلسطيني؛ ينتخب حكومة فلسطينية، تقيم علاقات سياسية بكافة الدول العربية وتنسق معها، وتتولى الدعوة إلى استعادة فلسطين بمشاركة كافة الدول العربية المهتمة بتحريرها، وإقامة جيش التحرير الفلسطيني.

وحدد الشقيري هدف الكيان الفلسطيني في أول خطاب له أمام مجلس الجامعة، بأن: “يصبح أهل فلسطين قوة وطنية عاملة، تسهم في تحرير فلسطين، وحمل السلاح لتحريرها بأيدي القادرين على حمل السلاح من أبناء فلسطين”. وأوضح قائلاً: “أن الكيان الفلسطيني، ليس حكومة، ولا يمارس سيادة، وإنما هو تنظيم للشعب الفلسطيني، يتعاون مع جميع الدول العربية، ويهدف إلى تعبئة طاقات الشعب الفلسطيني عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، في معركة فلسطينية”. وبادر الشقيري، بتسهيلات من الحكومة المصرية إلى زيارة عمّان ودمشق وبيروت وقطاع غزة. كما ألَّف وفداً فلسطينياً، من ثمانية عشر شخصاً، لحضور دورة الأمم المتحدة عام 1963.

وفي الأول من نوفمبر 1963، عقدت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة جلسة خاصة، بحثت فيها قضية فلسطين وموضع اللاجئين الفلسطينيين بصورة رئيسية.

تحدث أحمد الشقيري، رئيس الوفد الفلسطيني، فقال: إن الوفد يطالب بعودة اللاجئين إلى وطنهم، وليس إطعامهم فتات الخبز. وإن قضية فلسطين، ليست قضية لاجئين، علينا أن نفتش عن تأمين إعاشتهم وإطعامهم وإسكانهم؛ وإنما هي قضية وطن، تعرض لأكبر غزوة استعمارية صهيونية، طردت منه مليون فلسطيني. علينا شجب الغزوة الاستيطانية الاستعمارية الصهيونية، وإعادة المليون فلسطيني إلى بلادهم وبيوتهم وأراضيهم.

• القمة العربية الأولى (1964):
دعا الرئيس عبد الناصر في 23/ ديسمبر 1963، إلى عقد مؤتمر للقمة العربية؛ لبحث التهديدات الإسرائيلية بتحويل مياه نهر الأردن. وانعقد المؤتمر في القاهرة من 13 إلى 17 يناير 1964. وناقشت القمة القضية الفلسطينية والكيان الفلسطيني، واتخذت “القرارات العملية في ميدان تنظيم الشعب الفلسطيني، وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره”. وقررت: “تخويل أحمد الشقيري، ممثل فلسطين في الجامعة العربية، أن يتابع اتصالاته بالدول الأعضاء في الجامعة، وشعب فلسطين حيثما وُجد؛ ليبحث معهم الطريقة المثلى لتنظيم شعب فلسطين؛ وذلك تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بهذا التنظيم”.

• اتصالات الشقيري:
بدأ الشقيري اتصالاته إثر انتهاء القمة العربية، فعقد اجتماعاً مع وفد يمثل اللجنة التنفيذية لـ “الاتحاد القومي الفلسطيني” والمجلس التشريعي في قطاع غزة. واجتمع مع الرئيس عبدالناصر، الذي أعرب عن تأييده وتشجيعه لجميع الخطوات التي تؤدي قيام الكيان الفلسطيني. كما اجتمع بوزير الخارجية المصري محمود فوزي، وعرض عليه الخطوط العريضة لمشروع الكيان الفلسطيني وجوانبه السياسية والعسكرية والمالية، والميثاق القومي الفلسطيني، والنظام الأساسي للمنظمة، فلقي استجابة كاملة. ووجه الشقيري نداء إلى الشعب الفلسطيني في 4/ فبراير 1964، دعا فيه إلى تنظيم شامل، وتعبئة كاملة، لكافة فئات الأمة.

عمد الشقيري إلى جولة في الأقطار العربية ما بين 19/ فبراير و5 /أبريل 1964، شملت الأردن وسورية والبحرين وقطَر والعراق والكويت ولبنان والسودان، حيث عقد ثلاثين مؤتمراً مع الشعب الفلسطيني، التقى خلالها آلافاً منه، كما التقى كبار المسؤولين في الدول العربية. عرض الشقيري على الملك حسين الهيكل العام للكيان الفلسطيني، والخطوات التنفيذية اللازمة لإقامته. وأذاع من القدس في 24/ فبراير 1964مشروع الميثاق القومي الفلسطيني، والنظام الأساسي للمنظمة، باسم “منظمة تحرير فلسطين”. وأعلن انعقاد مؤتمر قومي فلسطيني في 14/ مايو 1964 في القدس؛ ما أثار المناقشات في الساحة الفلسطينية. واتصل الشقيري في بيروت بوفود الفلسطينيين من مختلف المخيمات والفئات؛ وألقى خطباً عديدةً فيهم، وأجرى مناقشات معهم ومع قوى المنظمات الفلسطينية، سرية وعلنية، مثل: “حركة فتح” والقوميين العرب، والتنظيمات النقابية، والمثقفين المستقلين.

حدد الشقيري مفهوم الكيان الفلسطيني، في أحد لقاءاته في بيروت في 27/ مارس 1964، بأنه سيكون “كيانا ثورياً عسكرياً. سيقوم على أربع دعائم: الجهاز العسكري، والجهاز التنظيمي، والجهاز السياسي، والجهاز المالي. وإن الجهاز السياسي، مهمته خدمة قضية فلسطين على الصعيدين: العربي والدولي خاصة في نواحي الدعاية والإعلام”. وإن الجهاز العسكري، لتمكين القادرين على حمل السلاح من خدمة وطنهم. والجهاز التنظيمي، ليشمل التنظيمات الشعبية. والجهاز المالي، يشتمل على الصندوق القومي الفلسطيني. وقررت لجنة متابعة قرارات القمة العربية في 16 /أبريل 1964، إثر استماعها لتقرير الشقيري في شأن اتصالاته، أن ينعقد المؤتمر القومي الفلسطيني في 28/ مايو 1964.

• إعلان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية:
شكل الشقيري لجنة تحضيرية لعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول، اختارت أعضاءها لجان تحضيرية، عيّنها وأشرف عليها الشقيري نفسه في كلّ بلد يتجمع فيه الفلسطينيون. أدرجت هذه اللجان أسماء المرشحين لعضوية المؤتمر. ثم تولت لجنة تحضيرية مركزية معينة، كذلك، تنسيق الأسماء المرشحة، وأعدت قائمة نهائية ضمت مندوبين عن التجمعات الفلسطينية المختلفة. وضم الشقيري إليهم الفلسطينيين السابقين في مجالس النواب والأعيان والوزارات الأردنية ومجالس البلديات والقرى. وانعقد المؤتمر في 28/ مايو 1964 في القدس، بحضور الملك حسين، ومشاركة وزراء خارجية كلِّ الدول العربية عدا المملكة العربية السعودية التي قاطعت المؤتمر. وصدر عن المؤتمر إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، واعتماد ميثاقها القومي، والمصادقة على النظام الأساسي واللائحة الداخلية للمجلس الوطني، وانتخاب عبدالمجيد شومان رئيساً لمجلس إدارة الصندوق القومي وعضواً في اللجنة التنفيذية. وأصدر المؤتمر عدة قرارات، عسكرية وسياسية ومالية وإعلامية. وأُلِّفت لجنة تحضيرية برئاسة أحمد الشقيري، اختارت 419 عضواً، يشكلون أول مجلس وطني فلسطيني.

وفي 28/ مايو 1964، عقد أول مجلس وطني فلسطيني جلسته الأولى في فندق الكونتيننتال في القدس، وشهدها ممثلون عن الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس العراقي عبد السلام عارف، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والرئيس السوري أمين الحافظ، والرئيس اللبناني فؤاد شهاب، والرئيس السوداني إبراهيم عبود، وأمير الكويت. كما حضرها أمين الجامعة العربية عبدالخالق حسونة، ومساعده الدكتور نوفل، ورئيس قسم فلسطين في الجامعة العربية يعقوب الخوري.

وافتتح الجلسة، ملك المملكة الأردنية الهاشمية بخطاب قومي، قال فيه: إنه التزم مع إخوانه ملوك الدول العربية ورؤسائها تناسي الخلافات بينهم، والعمل يداً واحدةً لتحرير فلسطين. وقرروا أن يتعاونوا مع الفلسطينيين على تنظيم صفوفهم وفق مشيئتهم، ودعمهم على تحرير وطنهم. وإنه لا حياة ولا حرية ولا وحدة للعرب من دون تحرير فلسطين. واستطرد الملك قائلاً: أرجو أن يعلم الجميع، أن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الفلسطيني، لن يتعارض مع وحدة الضفتَين التي ارتضيناها. وإنني أعاهدكم، أن أبذل دمي في سبيل فلسطين.

ثم باسم القدس، رحب أمينها روحي الخطيب بالوفود. وألقى أمين الجامعة العربية عبدالخالق حسونة كلمة باسم الجامعة. وتبع ذلك كلمة أحمد الشقيري. وقرر المؤتمرون إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وصنفوا أنفسهم أنهم هم المجلس الوطني الفلسطيني الأول، زكوا أحمد الشقيري، المكلف من الدول العربية بتأليف لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسته. وأقر المجلس الوطني الميثاق الوطني الفلسطيني، والنظام الأساسي للمنظمة. كما تقرر إنشاء صندوق قومي فلسطيني، وتشكيل جيش التحرير الفلسطيني. وأصدر المؤتمر الوطني الفلسطيني بياناً، في ختام جلساته؛ أكد فيه أن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، إنما هو لخوض معركة التحرير، ولتكون درعاً لحقوق شعب فلسطين وأمانيه، وطريقاً إلى النصر.

وعقدت اللجنة التنفيذية أول اجتماع لها في القدس في 25/ أغسطس 1964، وبدأت مسيرة العمل الفلسطيني بقيادة المنظمة.

• ردود الفعل الفلسطينية على إعلان منظمة التحرير الفلسطينية:
أثارت اتصالات الشقيري لعقد المؤتمر الوطني، ثم إعلان قيام المنظمة، ردود فعل لدى المنظمات الفلسطينية المختلفة. وعلى الرغم من مشاركة بعض قيادات هذه المنظمات في المجلس الوطني الأول، إلا أن الشقيري أكد القول: “أن المشاركين في المؤتمر، شاركوا بصفتهم الشخصية، وليس بصفتهم التنظيمية”.

كانت رؤية الشقيري في إطار خطته لإنشاء المنظمة، “تقوم على تجميع كلِّ القوى الفلسطينية من منظمات وفئات داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث يقوم التنظيم الثوري الواحد، والذي توضع تحت خدمته كافة طاقات المنظمة السياسية والعسكرية والإعلامية والمالية. وبالنسبة للمنظمات السرية التي يقوم تركيبها على أساس الخلايا، والاحتفاظ بالعناصر تحت الأرض، فإن قادتها يمكن أن يلتقوا داخل إطار المنظمة، مع بقاء تنظيماتهم سرية؛ وبذلك يتحقق التنسيق، وترسم الخطط المشتركة مع الحفاظ على الأمن وسلامة العناصر”.

اترك رد