الدكتور البكالي يكتب عن الصراعات والتصفيات الداخلية في الميليشيا الحوثية.

0 199

الصحيفة،: متابعات

الكاتب / د. علي البكالي

كانت الحوثية قبل ٢٠١١م عبارة عن ميليشيا مسلحة ذات جناحين، جناح يتصل بالمرجعية الايرانية وأهدافها التوسعية في اليمن والمنطقة وهو الجناح الأقوى.
وجناح أخر يتصل بالمرجعية الهادوية الزيدية ممثلة في حزب الحق واتحاد القوى الشعبية والمرجعيات الدينية للزيدية، وكان هذا الأخير قد سار في طريق التحلل التدريجي لأن عناصره الشبابية، كانت تتسرب تدريجيا إلى صفوف الميليشيا الحوثية، وتنظم لتكويناتها المسلحة والثورية، حتى أنهم ظهروا في ساحات ٢٠١١م وكأنهم ضمن ائتلافات المليشيا الحوثية الثورية التي أطلق عليها إئتلافات الصمود.

استطاعت الحوثية عمليا أن تلتهم القواعد الشبابية لحزبي الحق واتحاد القوى الشعبية، كما استطاعت أن تستقطب طلبة المراكز والمرجعيات الزيدية الهادوية، طلاب مركز بدر الذي كان يقوده المحطوري، وطلاب مركز الحشوش الذي كانوا يؤمنون بحمود عباس المؤيد، وكذلك طلاب محمد المنصور وغيرهم من مرجعيات الهادوية في صنعاء وغيرها.

لكن مع ذلك ظلت هناك مشكلة قائمة وهي أن البيوتات السياسية الزيدية ممثلة في قيادات حزب الحق واتحاد القوى الشعبية كبيت الوزير بقيادة الكاتب ابراهيم وأخيه زيد المقيمين في لندن، وبيت المتوكل بقيادة د. محمد عبدالملك المتوكل، وحسن محمد زيد، وبيت الشامي بقيادة اللواء يحي محمد الشامي، وبيت شرف الدين بقيادة د. أحمد شرف الدين، كانت هذه البيوتات تعتقد أن الحوثيين أداة حربية وميليشيا مسلحة تعمل لخدمتها، وأنه بعد اسقاط صنعاء، وطرد الخصوم السياسيين، ستقفز هي إلى الواجعة وتتخاطب مع العالم الخارجي ومع الداخل، وتقدم نفسها بصورة ليبرالية مختلفة عن دوغمائية الميليشيا الحوثية، وكان لهذه البيوتات والمرجعيات علاقاتها الواسعة مع السفراء الأمريكان والأوروبيين، وربما كانت معهم على وفاق، أو قدمت ضمانات بهذا الشأن.

وإلى جوار هذا الفريق السياسي كانت تقف مجموعة من المرجعيات المذهبية الهادوية الزيدية ترى في نفسها العلم والأهلية للإمامة وشروطها كما في المذهب الهادوي، أكثر من عبدالملك الحوثي الذي لا يعدو كونه مجرد مراهق بنظرهم، يصلح للقتال والحرب ولكن لا تنطبق عليه شروط الإمامة، وكان في مقدمة هؤلاء حمود عباس المؤيد، ومحمد المنصور، ومجد الدين المؤيدي، ومرتضى المحطوري وغيرهم.

ظلت الخلافات على أشدها بين هذه الأجنحة الثلاثة طوال عامي ٢٠١١ و ٢٠١٢م، وكانت الحوثية الميليشيا قد سيطرت على صعدة وبدأت تتوسع باتجاه عمران والجوف وحجة، وتهيأ نفسها وعناصرها في صنعاء، والسلاح الايراني يتدفق إلى عبر زوراق من موانئ حجة والحديدة غير الرسمية، وبوساطة تجار سلاح كبار على راسهم فارس مناع.

في هذه الأجواء وبإيعاز من عدة جهات خارجية، تداعت المرجعيات الزيدية للتفاهم مع زعيم الميليشيا الحوثية عبدالملك الحوثي ومن معه، للاتفاق على رؤية موحدة لكل الفصائل، حتى يقدم الجميع على إما على الشراكة السياسية، أو الثورة والانقلاب الجذري تبعا لأفكار المذهب الزيدي.

اجتمعت المرجعيات الرئيسة للأجنحة الثلاثة في صنعاء بتاريخ ١٠ فبراير ٢٠١٢م ، ودارت النقاشات لمدة ثلاثة أيام، وصدرت بعدها الوثيقة الفكرية المشتركة التي نشرت لاحقا تحت مسمى الوثيقة الفكرية للحوثية، وهي في الأساس الوثيقة الفكرية للأجنحة الثلاثة وتمثل الجناح الزيدي الهادوي أكثر من الجناح الحوثي، لأنها تتمسك بدعوى الولاية والإمامة بشروطها، ومنها شرط البطنين، ولا تشير من قريب أو بعيد للعلاقة مع ايران وفكرة ولاية الفقيه، وتصدير الثورة الايرانية، بما يعني أن الجناح الزيدي السياسي والديني كان حاضر بقوة في الوثيقة أكثر من الجناح الايراني.

بعد ابرام الوثيقة الفكرية بدأت الميليشيا الحوثية الايرانية خطة التصفيات للشخصيات الهادوية الزيدية التي ستشكل تحديا مستقبليا لعبدالملك الحوثي وطموحات ايران المذهبية في اليمن، وبدأت الخطة بتصفيات الجناح السياسي، فكان مقتل عبدالكريم جدبان السياسي الأكثر تأهيلا وقربا من الميليشيا الحوثية، وقبولا لدى المجتمع الدولي، ثم د. أحمد شرف الدين، وهو الذي مثل الحوثيين في مؤتمر الحوار الشامل، وقتل في شارع الزراعة يوم التوقيع النهائي على وثيقة مخرجات الحوار، وبعده جرى تصفية محمد عبدالملك المتوكل، فيما تم تأخير حسن زيد ويحيى الشامي نظرا لأهميتهما السياسية والعسكرية للمرحلة اللاحقة المتمثلة في الانقلاب واسقاط صنعاء والسيطرة على القوى السياسية، واقناعها بالاستسلام.

وفي ٢٠١٥م بدأت التصفيات في الجناح الديني الزيدي المؤتلف مع الجماعة، فجرى تصفية المحطوري رغم محاولاته المتكررة التمدح بعبدالملك الحوثي واظهار الولاء له، لكنه كان يشكل منافس حقيقي ولا بد من ازالته، أما بالنسبة لحمود عباس ومحمد المنصور فكانوا في حالة الشيخوخة والعجز ولم يعد الخوف منهما، لذلك اكتفت ميليشيا الحوثي بعزلهما عن الواقع، فعينت شمس الدين نسب عبدالملك الحوثي مفتيا للديار حسب قولهم، وبذلك أزاحة المنصور وحمود عباس عن الفتيا والمرجعية الدينية.

بعد الانقلاب على الدولة وسقوط صنعاء ومهاجمة الحوثية للمدن، جاءت عاصفة الحزم بطلب من السلطة الشرعية، فكان لا بد أن تؤجل ميليشيا ايران الحوثية تصفياتها الداخلية وأن تعمل على حشد الهادوية الزيدية وأبنائها للقتال معها صفا واحدا، وهو ما حدث بالفعل حيث استطاعت الحوثية تجييش الزيدية، وكل الهاشمية في الجمهورية إلا ما ندر، في موقف أظهر تعصب السلالة والمذهب بشكل واضح ضد اليمن والجمهورية، ووقوفهم مع المشروع السلالي الممول ايرانيا.

ورغم هذا ظلت الصراعات الداخلية خفية ومبطنة بين الجناح السياسي والجناح الميليشياوي الذي تعتبره ايران الذراع العسكري للحرس الثوري، ويبدو أن الخلافات الداخلية أثرت على قيادة الميليشيا مؤخرا، وعادت التصفيات الداخلية بمقتل حسن محمد زيد الذي كان حليفا سياسيا ليحيى الشامي داخل الجماعة.

وربما خشي عبدالملك الحوثي من انقلاب داخلي بقيادة يحيى الشامي خاصة اذا ما ضغط المجتمع الدولي باتجاه السلام ووقف الحرب، فاستعان بمرجعياته فيايران لمساعدته، فأرسلت ايران حسن ايرلو لتسيير الميليشيا الحوثية عن كثب وانهاء الخلافات الداخلية، وهو ما أدى إلى انهاء الدور الفعلي لما سمي بالمجلس السياسي واللجنة الثورية، حيث أصبح حسن ايرلو الحاكم العسكري وبيده كل الملفات.

وعمليا بدأ ايرلو التصفيات النهائية داخل الميليشيا الحوثية بعد أن أمسك بكل الملفات، فقام مؤخرا بتصفية بيت الشامي
يحيى الشامي وزكريا الشامي وعبدالقادر الشامي وأمين الشامي.

وبالتوازي يجرى تصفية بن حبتور وأخرين في الحكومة الحوثية الانقلابية، ومستقبلا قد تطال التصفيات محمد علي الحوثي وصالح هبرة وحسين العزي، لأن هؤلاء بنظر ايرلو سياسيون قد يجنحون في أي وقت للضغوط الدولية السلام ووقف الحرب، وهو ما لا تريده ولا ترغب فيه ايران مطلقا، لأن السلام ووقف الحرب في اليمن يفوت على ايران خطتها التي من أجلها أنشأت الميليشيا الحوثية المتمثلة في جعل اليمن ساحة حرب ايرانية دائمة مفتوحة مع المملكة العربية السعودية.

 د. علي البكالي

اترك رد